Friday, September 20, 2019
8:13 PM
   
 
بورتريه
 
في ذكرى وفاة نجيب محفوظ كاتب العمق المصري
  السبت 30 أغسطس, 2014  
   



السبت 30 أغسطس/آب 2014

القاهرة- نظارته القاتمة القابعة أمام عيناه كحارس أسراره الأمين.. ابتسامته الوقورة المصحوبة بخطوط شقت طريقها بسلاسة في وجه لتنبئ عن سنوات عمره التي جاوزت التسعين.. بدلته الصيفية المميزة، وعكازه رفيق آواخر أيامه، وعشقه للروتين الذي كان يجيد تطويعه باستمتاع، بساطة شديدة وحميمية ميزت نبراته الواضحة، تخفي خلفها عبقرية يؤكد التاريخ أنها لن تتكرر بسهولة، كلها عناصر تداخلت لتخلق ظاهرة أدبية لها سحرها الخاص.

قبل مائة عام وما يزيد بأعوام قليلة، طلب عبدالعزيز إبراهيم، من الطبيب القبطي نجيب باشا محفوظ أن يشرف على ولادة ابنه، بعدما تعسرت رغم أنه لم يكن شيئًا مقبولًا في الأعراف المصرية وقتها، ليقرر الأب إطلاق اسم "نجيب محفوظ" على وليده عرفانًا بجميل الطبيب وتقديرًا له.

نشأ نجيب محفوظ، في عائلة كان هو أصغر أعضائها، في حي الجمالية، الذي شكل وجدانه بشكل كبير، وتعلق به حد الفتنة، فزياراته مع والدته في سنوات عمره الأولى، إلى مقام الحسين ومار جرجس، مرددة "دول كلهم بركة"، غرزت بداخله الحب العميق للأحياء المصرية، وعززتها رائحة البخور ومآذنها الأثرية وهي تحتضن أصوات المؤذنين، فأصبح الطفل ذو السنوات المعدودة، يقضي وقته متنقلًا بين الحواري والأزقة، يختزن مظاهرات ثورة 1919 في ذاكرته، وقصص الحارات والفتوات، ليحكي عنها لرفاق دربه والأجيال المقبلة، دون أن يعلم أنه يمهد طريقه إلى "نوبل".

في عام 1930، التحق محفوظ بجامعة القاهرة ليدرس الفلسفة، وبين جنبات الكلية، بدأت تظهر عليه بوادر النبوغ بشكل واضح، وما لبث بعد التخرج حتى شرع بعدها في إعداد رسالة الماجستير عن "الجمال في الفلسفة الإسلامية"، ليقرر التفرغ بعد ذلك للكتابة الأدبية في منتصف الثلاثينيات، وينشر قصصه القصيرة في مجلة الرسالة.

بحلول عام 1939، خط محفوظ روايته الأولى بعنوان "عبث الأقدار"، لتكون بمثابة الخطوة الأولى له في الواقعية التاريخية، تبعها بـ"كفاح طيبة" و"رادوبيس" منهيًا ثلاثية تاريخية عن "زمن الفراعنة".

"القاهرة الجديدة"، رواية خطى بيها الموظف الشاب إلى الواقعية الاجتماعية، والتي تحولت لفيلم بعنوان "القاهرة 30"، تبعها بمجموعة من أهم أعماله الأدبية التي تحولت هي الأخرى، لأعمال سينمائية تسببت إحداها، "أولاد حارتنا"، في فوز الأديب بجائزة نوبل للأدب عام 1988، كما أنها كانت السبب المباشر في التحريض على محاولة اغتياله، بعد أن نشرها في حلقات بجريدة الأهرام عام 1959، أثارت ردود أفعال قوية من التفسيرات المباشرة للرموز الدينية في الرواية، ما تسبب في وقف نشرها والتوجيه بعدم نشرها كاملة في مصر.

التطاول على الذات الإلهية والكفر والخروج عن الملة، كانت التهم الموجهة لمحفوظ من جانب الجمعات المتطرفة، ما دفع شابين إلى طعنه في عنقه عام 1995، لينجو وإن ظل غير قادر على استعمال يده في الكتابة، وفي عام 2004 استغل فترة ما بعد الإصابة، في خط آخر أعماله الأدبية "أحلام فترة النقاهة".

عائلة صغيرة تكونت من زوجة وبنتين، كانت نقطة الاستقرار في حياة محفوظ، الذي تزوج في فترة توقفه عن الكتابة بعد ثورة 1952، من السيدة عطية الله إبراهيم، وأخفى خبر زواجه عمن حوله لعشر سنوات كاملة، ليفصل بذلك حياته الشخصية عن الأدبية إلى حد كبير، فلم يعرف العالم فاطمة وأم كلثوم إلا أثناء سفرهم للسويد لاستلام جائزة نوبل نيابة عنه.

عام 2006، غربت شمس محفوظ إثر قرحة نازفة أصابته بعد عشرين يومًا من دخوله مستشفى، ببسب وعكة صحية ألمت به، ليسقط القلم ويرحل عن عالمنا، تاركًا مدينته المفضلة، التي كتب عنها كما لم يكتب أحد من قبل، خالدًا بها اسمه وهائمة بها روحه في عالمها الغامض السحري.

عن وكالات

إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv