22 نوفمبر, 2017
01:39 ص
   
  ملفات خاصة  
تركيا والاحتلال التاريخي للعرب
  الاربعاء 04 ديسمبر, 2013  
   


رانية عبد الرحيم المدهون

خدعوك فقالوا أنهم يريدون إحياء الخلافة. ويقصدون بذلك إلغاء الخلافة في اسطنبول في العام 1924، فيما لم يكن ثمة خلافة هناك بل سلطنة عثمانية بسلطان، وهما اللذان أُلغيا في العام المذكور.

تجرع العرب منذ عقود علقم الاحتلال، حتى اعتاد على طعمه. ولقد كانت فترة الاحتلال العثماني للوطن العربي من أكثر فترات احتلاله صعوبةً ومعاناة.

احتلت تركيا أو كما كانوا يدعونها "الامبراطورية العثمانية" الوطن العربي، مطلع القرن السادس عشر الميلادي، وتحديدا في العام 1516، واستمرت في احتلالها له لمدة أربعة قرون، حين أبرمت الدول الغربية اتفاقية سايكس بيكو ، لتقسيم الوطن العربي بين انجلترا وفرنسا، في العام 1916.

وكان من أسباب احتلال العثمانيين للوطن العربي
1- احتلال الصفويين الفرس للعراق، والتنافس الذي حدث بين الصفويين والعثمانيين.
2- ضعف دولة المماليك وتذمر أهالي مصر وبلاد الشام من حكمهم.
3- هجمات البرتغاليين على جنوب شبه الجزيرة العربية، وتهديدهم للأمن والاستقرار في تلك المنطقة.
4- هجمات الأسبان والبرتغاليين على سواحل المغرب العربي.
5- رغبة الأتراك في تسلم زعامة العالم الإسلامي.

استخدمت تركيا خلال احتلالها للوطن العربي جميع وسائل القمع والسخرة والإذلال؛ اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا وعسكريا.

اقتصاديا
عمل الاحتلال العثماني في بداية احتلاله للوطن العربي على نقل الصناع المهرة إلى اسطنبول ، وحرمت البلاد العربية من مفردات التقدم.
كما أقر العثمانيون نظام نسبي إقطاعي قائم على الالتزام.

اجتماعيا
استخدم العثمانيون سياسات الابتزار والمحسوبية في حكمهم للولايات العربية، وحصروا الوظائف العليا والمؤثرة في هذه الولايات على الأتراك فحسب.

ثقافيا
حاول العثمانيون تتريك الولايات العربية بشتى الطرق؛ لا سيما من خلال عملية التعليم.

سياسيا
تعامل العثمانيون بمنطق استعماري في الولايات العربية، أي كمحتل وليس كجزء من قائد امبراطورية عظمى تقع بقاع عربية تحت حكمها.
وكانوا أحيانا طفيفة يمنون على العرب، ويمثلوا بعض الولايات العربية بمندوبين في المبعوثان ( وهو بمثابة برلمان للامبراطورية العثمانية).
وعلى الرغم من رفض السلطان عبد الحميد الثاني لبيع أية أراضي للمستوطنين في فلسطين، فإن موظفين فاسدين في السلطنة العثمانية باعوا نحو 170 ألف فدان، أي ثلث مجموع الأراضي التي استحوزت عليها الحركة الصهيونية في فلسطين حتى العام 1948.

عسكريا
جسد العثمانيون عمليات الصُخرة للشعب العربي، عبر التجنيد الإجباري للعرب في حروب الأتراك في مع الدول الأوروبية، واستنزف الكثير من الدماء العربية في هذه الحروب غير المفهومة، التي لا تعني العرب في شيء.

وعلى الجانب العربي، بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حركة النهضة العربية التي ارتفعت من خلالها أصوات تدعو الشعب العربي إلى التضامن والوحدة، في مواجهة الاضطهاد وسوء المعاملة التي يمارسها الحكم العثماني، وخاصة في محاولته المستمرة للتتريك، وكانت مطالبة العرب في البداية الدعوة إلى المشاركة في الحكم على نحو فعال وليس الاستقلال، فقد كان هناك نوع من التخوف من الانتقال من حكم الأتراك إلى حكم أجنبي آخر.
لكن مع اشتداد حملة "التتريك" ومع وحشية الممارسات السلطوية، وبعد أن يئس العرب من طروحات المشاركة في الحكم، بدأوا يتجهون إلى المطالبة بالاستقلال التام وبناء الدولة العربية المستقلة.

"ربما لا يكون ما نشهده حاليا في العالم،هو مجرد نهاية الحرب الباردة أو انتهاء فترة معينة من تاريخ ما بعد الحرب،بل نهاية التاريخ ذاته: أي نهاية التطور الإيديولوجي للبشرية كلها، وتعميم الديمقراطية الليبرالية الغربية كشكل نهائي للسلطة على البشر". "فرانسيس فوكوياما" من كتابه: أجوبتي على تساؤلات المعارضين

ولقد تم طرح فكرة: نهاية التاريخ وأطروحة “الما بعد”، من عصر كانط، وهيغل، وماركس، اعتقادا منهم بوجود تاريخ كوني موحد للإنسانية، يختزن تجارب كل الأزمنة والشعوب، بمنظورالتاريخ الكوني الغربي المركزي، عن طريق إلغاء تواريخ وتجارب ثقافات وحضارات البشرية

ولقد تم التأصيل العملي لهذا العالم الجديد ، أو بمعى أدق استيعابنا لتنفيذ المخطط الامبريالي بالهجمة على العراق والتي أسموها "باللانظام الدولي الجديد" ، بغية خلق تاريخ جديد للمنطقة، تحت فرض استمرارية الإملاءات الغربية التي تُأجج المزيد من الصراعات والخلافات ، حتى ما بين الفريق السياسي الواحد ، أوالدين السماوي الواحد.

ولقد قال كيسينغر بعد الحرب الثانية على العراق : "نحن الأمريكيون هم التاريخ وصانعوا التاريخ الحديث؟ وأضاف في الهجمة على لبنان: بأن إسرائيل وأمريكا هما تاريخ البشرية الجديد؟
وهو بالفعل ما يحدث اليوم بمساعدة عدد من الوكلاء، على رأسهم تركيا.

مرت تركيا بعدة مراحل بعد سقوط "الرجل المريض" وحتى يومنا هذا؛ كانت:
‌ المرحلة الأولى، مرحلة الانحياز المطلق للغرب (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي): 1923-1980م:
ثم كانت الحرب الباردة، حيث أدى انضمام تركيا إلى منظمة الحلف الأطلسي في مواجهة التهديد الشيوعي إلى تعزيز تموضعها في الغرب عامة وداخل أوروبا على وجه الخصوص.

المرحلة الثانية وعودة العالم التركي: 1990م-2001م:
عادت تركيا للظهور بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفاقم لديها طموحًا استراتيجيًا إقليمياً تركيا، وفّر لتركيا فرصة إعادة بناء مجال استراتيجي جديد بعد أكذوبة إنسداد المجالات الأوروبية أمامها، فسارعت إليها الشركات النفطية العالمية الخائفة على مسارات تصدير البترول والغاز، فنجحت في ممارسة دور الوكيل الذي تمتع بالمصدقية إلى حد بعيد.
‌المرحلة الثالثة، البحث عن قائد جديد لدور متجدد:2001م-2002م:

جاءت أحداث 11أيلول/ سبتمبر2001، واحتلال العراق، لتفرض تبدلاً في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط التي أصبحت في خدمة المصالح الاقتصادية الكبرى التي تتحكم في مستقبل النظام الدولي الجديد. واستدعى هذا التبدل إعادة نظر شاملة في أسلوب الدور التركي وليس في جوهره. من هنا كان لا بد من البحث عن الطرف التركي الأقدر على تنفيذ الغاية المرجوة من الدور الإقليمي التركي المتجدد. وبما أن هذا الأسلوب ما كان ليتماشى مع سياسة قادة الجيش التركي، جرى إعادة إحياء العلاقات مع السلفيين الإسلاميين الأقدر من وجهة النظر الأمريكية على التماهي مع السياسة الدولية الجديدة في المنطقة. فعلى عكس الراديكاليين في الحقبات السابقة الذين رفضوا الماضي العثماني والإسلامي، يستقي الإسلاميون المتجددون قسماً من قوّتهم الإقليمية من الهوية الإسلامية لتركيا، فلهم تطلعات إلى الماضي العثماني المشترك مع جيرانهم في الجنوب والشرق.
ومع بزوغ العام 2002م، كان العمق الاستراتيجي لتركيا قد تبلور بشكل نهائي إثر نجاحها في التحول إلى محور اقتصادي، ومرجع ديني، و ملهم ثقافي وديني لشعوب دول البلقان وآسيا الصغرى وبحر قزوين.

ولقد نجح حزب العدالة والتنمية في تقديم نفسه داخلياً وخارجياً على اعتبار أنه حزب إسلامي متجدد يجمع بين احترام القيم والديناميكية الاجتماعية. اختار الليبرالية الاقتصادية منهجاً والانضمام إلى أوروبا خياراً نهائياً لا عودة عنه. فهذا الانضمام والهوية الإسلامية، خياران غير متناقضين بل متكاملان حسب أدبيات الحزب.

ومع هذا وابتداءً من العام 2006م قامت تركيا بسلسلة خطوات متلاحقة، شملت إلغاء القيود على الحدود مع سورية، وتوقيع عدد كبير من الاتفاقات مع العراق ومع لبنان والأردن وبعض دول الخليج، كما جاهرت بالدفاع عن إيران حول حقها في استخدام الطاقة الذرية لأغراض سلمية.

هذه الخطوات الخارجية رافقتها استراتيجيات اقتصادية ناجحة. فالاستثمارات المالية الكبيرة للشركات الغربية ارتبطت بمعظمها بالصناعة المرتبطة بشكل أو بآخر بالممر الآمن الذي توفره تركيا للشحنات النفطية ولأنابيب الغاز من دول آسيا الوسطى إلى الأسواق الدولية، وخاصة إلى أوروبا.

كل هذه التطورات الاقتصادية والأحداث السياسية، أنبأ الجميع بأن تركيا أصبحت جاهزة داخلياً وخارجياً لدورها الإقليمي المقبول من جميع الأطراف. ولهذا القبول أسباب عدة من أهمها:

فيما تذرعت تركيا بعدَّة أسباب، للتقارب مع العرب إيذانا بتفيذ مشروع الغرب الاستعماري، وخلق وإبراز الدور التركي في الشئون العربية، منها التّقارب التركي السوري ، وتعزيز تركيا لعلاقتها مع إيران، ومماطلة "إسرائيل" وتسويفها في تزويد تركيا بالأسلحة التكنولوجية والطائرات من دون طيّار، وأخيرا القمع الذي يمارسة الاحتلال الصهيوني للفلسطينيين في غزة، وقضيّة أسطول الحريّة وإهانة السفير التركي في "إسرائيل".

أصدرت تركيا وقتها عدد من القرارات العنترية؛ منها قرار البرلمان التركي بعدم استخدام الأراضي التركية في الحرب على العراق، ومنها إطلاق أسطول الحريّة، وكذا سلوك أردوغان في دافوس أمام الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، وغيرها.

وعن دواعي الغرب الاستعماري في استخدام تركيا كوكيل لها في الوطن العربي، فلقد قدم الغرب الاستعماري لأعداء العولمة بديل استراتيجي إقليمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الحليف الاستراتيجي العالمي للعرب.

كما دفع ذلك الغرب الاستعماري إلى تنقيح الدستور التركي بما يتناسب مع الإملاءات الأوروبية، كمثل يُقتدى بع للدول العربية التي تتخذ من تركيا حلم لامبراطورية إسلامية قادمة.

كما تم تقويض الجيش التركي وتشويه ديمقراطيته، مع استقالة قادة القوات المسلحة التركية وعلى رأسهم رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال إيشيك كوشانير في حادثة هي الأولى من نوعها في تاريخ تركيا منذ تأسيس الجمهورية عام 1923؛ وإظاهر ذلك على أنه طوق لتطبيق ديمقراطية حقيقية.

وسرعان ما تولى أردوغان الأمر، عندما ترأس وحيدا الاجتماعات السنوية للمجلس العسكري الأعلى.

والمقصود هنا أيضا إنهاء محاولة نشر ظاهرة سيطرة قائدي القوات المسلحة في البلدان العربية والإسلامية.

وعن موقف العرب من تركيا تاريخيا فقد انقسم العرب في موقفهم من تركيا إلى فريقين، أولهما اعتبر منذ أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن العشرين وحتى الآن، أن تركيا كانت مجرد "احتلال عثماني" للوطن العربي.

أما الفريق الثاني فقد تملك حلم "إعادة الخلافة الإسلامية" منه، فكرا ومشروعا ومسارا.

ولقد بلغت شعبيّة تركيا بعد قضيّة أسطول الحريّة، ذروتها في العالم العربي. واعتبر أنّ الانحدار الذي حدث في العلاقة التركيّة الإسرائيليّة يعود إلى أبعاد متعدّدة لها أسقف ثلاثة: داخلي وإقليمي ودولي.

وعن ملامح الدور الحقيقي للوكيل التركي منذ أكثر من عقد في الوطن العربي فقد استطاعت تركيا زيادة حجم التبادل التجاري مع الدول العربية من لا شيء تقريباً في بداية الثمانينيات من القرن العشرين إلى 30 مليار دولار أميركي في عام 2000 ومن ثمّ إلى 130 مليار دولار في عام 2007.

كما رافق ذلك تأسيسًا للحريّة التجارية بين تركيا والدول العربية وتوسيعها من خلال اتّفاقيات تجارة حرّة ثنائية وصولاً إلى السّعي نحو إنشاء منطقة تجارة حرّة عربيّة تركيّة. ولدى تركيا 6 اتّفاقيات تجارة حرّة مع دول المشرق والمغرب العربيّين.
فزيادة التّجارة التركية ليس مع العرب فقط وإنّما مع أفريقيا والكثير من الدول، ممّا جعل من تركيا "صينَ الشّرق الأوسط.

هكذا كان الاحتلال العثماني للوطن العربي، وهكذا أصبحت الهيمنة التركية له، ونود ألا تكون تبعا ذلك كما يرتجون.






















إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv