Friday, January 24, 2020
4:12 PM
   
 
مقالات
 
هونغ كونغ: لنعيد للاستعمار مجده
  الإثنين 30 ديسمبر, 2019  
   


بقلم: فريد غولدشتاين

ترجمة: "ميسلون" - نور الهدى عدالة

إن ما حدث في العاشر من سبتمبر لهو تطور رجعي تماماً، عندما قام متظاهرون بحمل أعلام الولايات المتحدة في مسيرة عبر المدينة، يطلبون فيها من الشخصية الامبريالية الأكثر بغضاً أن يقوم بمساعدتهم. لكن ذلك هو ما يحدث في هونغ كونغ.

فعلى الرغم من كل ادعاءات الصحافة الرأسمالية حول كون المتظاهرين دعاة ديمقراطية وحرية، إلا أنهم احتضنوا شخصية سياسية قامت باحتجاز الأطفال في أقفاص بعد فصلهم عن عائلاتهم. لقد طلبوا الدعم من رئيس دعا لحظر المسلمين من الولايات المتحدة الامريكية، واحتضنوا عنصرياً حقيراً قام بوصف هاييتي ودول أفريقية بـ “shithole” أي بـ "البواليع". كماوصف ترامب المكسيكيين بـ "المغتصبيين " و"الحيوانات".

فما تلك العقلية السياسية للمتظاهرين الذين يطلبون المساعدة من متعصب عنصري باسم الديمقراطية؟ إنها عقلية الرأسمالية الجشعة.

يحاول دونالد ترامب أن يقلل من التركيز على المظاهرات، لأنه يريد وقف تصعيد الحرب التجارية مع جمهوريه الصين الشعبية . فهو يخشى أن تؤدي الحرب التجارية إلى تراجع اقتصادي في الولايات المتحدة، ما قد يضر بفرص إعادة انتخابه في العام 2020.

إلا أن وزير الخارجية ميشيل بومبيو والصقور المعادين للصين داخل الإدارة الأمريكية والمخابرات لم يتحصلوا على "المذكرة"، وحتى إن تحصلوا عليها فإن ترامب يلعب هنا دور الشرطي الطيب في هذا السيناريو.

واشنطن ووسائل الإعلام السائدة سوف يبذلون كل جهدهم من أجل إثارة تمرد واسع النطاق موالٍ للامبريالية، يطالبون فيه بشكل أساسي باستقلال هونغ كونغ، حيث يأملون بإطالة أمد المظاهرات لإحراج جمهورية الصين الشعبية في الذكرى السبعين للثورة الصينية في الأول من أكتوبر. لكن الهدف الاستراتيجي لإدارة ترامب هي حشر الصين في الزاوية واستفزازها على التدخل في هونغ كونغ.

إن واشنطن والبنتاغون يسعيان إلى خلق نسخة مصغرة عن حادثة ميدان تيانانمين في 1989. حيث تأمل واشنطن بأن هذا سيعطي ضوءاً أخضراً لآلة الدعاية الامبريالية في جميع أرجاء العالم لفتح حملة كبرى معادية للصين تمهد الطريق للأعمال العدائية وحتى الحرب.

وفي ظل الانقسامات في المعسكر الامبريالي، وتزايد ثقل الصين كقوة اقتصادية، يبقى أن نرى فيما إذا كانت هذه الخطط يمكن أن تتحقق أم لا.

هونغ كونغ: برلين الجديدة

جوشوا وونغ، أحد قادة مظاهرات 2014 في هونغ كونغ التي نظمتها حركة "المظلات" وأحد القادة الرئيسيين في النزاع الحالي، صرح في برلين في التاسع من سبتمبر بالقول: "إن كنا في حرب باردة جديدة، فإن هونغ كونغ هي برلين الجديدة". وتابع قائلاً: "إننا نحث العالم الحر على أن يقف إلى جانبنا لمقاومة النظام الصيني الاستبدادي"، في إشارة واضحة إلى العالم الرأسمالي.(رويترز، 9 سبتمبر)

بإعادته للأذهان صورة برلين والجدار الذي فصل الشرق عن الغرب، أثار وونغ طيف بداية دمار المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية، وزوال الاتحاد السوفياتي نهائياً. إن هدف وونغ الواضح هو تدمير الصين الاشتراكية.

مكانة هونغ كونغ في الصين الجديدة

مع انتصار ثورة الصين في عام 1949، قام جيش التحرير الشعبي بطرد الجيش الوطني التابع للامبريالية من البر الرئيسي* إلى جزيرة تايوان، فمن وجهة النظر العسكرية كان جيش التحرير الشعبي مسيطراً على البر الرئيسي.

وقد كان بإمكان ماو تسيتونغ أن يطلب من جيش التحرير الشعبي الاستيلاء على هونغ كونغ، وما كان ذلك ليأخذ أكثر من يوم، لكنه لم يفعل، فلماذا؟ لأن الصين كانت بلداً شاسعاً مفقراً، فقد كانت تعرف قبل الثورة بأرض الجوع، حيث حصدت المجاعات أرواح مئات الآلاف وأحياناً الملايين، وذلك بسبب سلطة أمراء الحرب ونقص وسائل النقل. وقد حلت الثورة هذه المشكلة مع إعادة توزيع الأراضي الضخمة، لكن الصين كانت بحاجه ماسة للبنية التحتية الزراعية والصناعية، وقد فرضت الولايات المتحده بعد الثورة حصاراً شمل التكنولوجيا والمعدات الصناعية. وقدم الاتحاد السوفياتي المساعدة ، إلا أن الصين كانت لا تزال بحاجة لقنوات مالية إلى العالم الخارجي، وهونغ كونغ كانت مركز مالي حاسم الأهمية.

بلد واحد ونظامان

بالقفز إلى العام 1982، كان ماو قد مات في العام 1976، وهزمت القوى اليسارية المرتبطة بالثورة الثقافية. وقد دخل دنغ شياو بينغ في مفاوضات مع الامبرياليين البريطانيين بشأن هونغ كونغ، حيث أوضحت جمهورية الصين الشعبية أنها تعتبر هونغ كونغ جزءاً من الصين. وحاولت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر التمسك بثلاث معاهدات ظالمة وُقّعت تحت التهديدات العسكرية البريطانية في الأعوام 1842 و 1860 و 1898 كانت تلك المعاهدات، التي عرفها الصينيون باسم "المعاهدة غير المتكافئة"، هي التي أضفت الطابع الرسمي على الاستعمار البريطاني لهونغ كونغ.

وفي المفاوضات، أراد الامبرياليون البريطانيون الاحتفاظ بالسيطرة الإدارية على الإقليم، فأخبر دنغ البريطانيين أن جمهورية الصين الشعبية تعتبر هونغ كونغ جزءاً من الصين، وهدد بالاجتياح لاستعادة الأراضي، فاضطرت لندن إلى التخلي عن محاولاتها للاحتفاظ بالمعاهدات الغير متكافئة وبإدارة هونغ كونغ.

لكن، مع رحيل ماو، كان "الاصلاحيون" بقيادة دنغ هم المسيطرين، وتبنت جمهورية الصين الشعبية مبدأ "دولة واحدة ونظامان"، وتم توقيع اتفاق دخل حيز التنفيذ في عام 1997. قال المبدأ القانوني أن هونغ كونغ ستحتفظ بنظامها الرأسمالي حتى عام 2047.

وقد تم تشكيل هيئة تشريعية ومجلس حكومي، حيث يحق لجمهورية الصين الشعبية المشاركة في الهيئة التشريعية، وأن تتحكم في السياسة الخارجية لهونغ كونغ ويحق لها كذلك تفسير القوانين. تم تصنيف هونغ كونغ من قبل الصين كمنطقة إدارية خاصة.

وإلى حدٍ ما، عكس الاتفاق مع هونغ كونغ ما تحاول القيادة الصينية الجديدة تأسيسه تحت عنوان "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، مزيج من الاشتراكية والرأسمالية. فقط في الصين كنت تجد حزباً شيوعياً صينياً ضخماً يمكنه التحكم بالرأسماليين، وكذلك بالشركات الاستراتيجية المملوكة للدولة. أما في هونغ كونغ، فقد تُركت السيطرة على اقتصاديات المنطقة للبنوك الامبريالية الكبرى ولشركات المحاسبة والوساطة وشركات المحاماة. ونتيجة خوفهم الدائم من الصين الشعبية والاشتراكية، فقد حاولوا تدريجياً السيطرة على السياسة في هونغ كونغ أيضاً.

تُمثل أحدث المظاهرات المناهضة للثورة والمؤيدة للاستعمار، والتي تكتمل بالأعلام الأمريكية وتتغنى بالنشيد الوطني الأمريكي وتناشد ترامب للحصول على المساعدة، طفرة إلى الأمام من قبل الطبقة الرأسمالية المناهضة لجمهورية الصين الشعبية لتولي النظام السياسي في هونغ كونغ. إنه قانون الرأسمالية حيث يتراكم رأس المال ويزداد قوة بمرور الوقت. وعلى مر السنين، لم يتخلَّ الرأسماليون في هونغ كونغ، بمساعدة الامبريالية، عن محاولة الخروج من ظل جمهورية الصين الشعبية. وفي منطقة صغيرة مثل هونغ كونغ، يمكن القيام بذلك فقط بمساعدة ودعم قوة كبرى مثل الولايات المتحدة.

هونغ كونغ و رأس المال العالمي

تواجه جمهورية الصين الشعبية مخاطر كبيرة في هونغ كونغ. حيث تلعب الأرض دوراً مهماً في التنمية الاقتصادية في الصين. إن مئات المليارات من الدولارات تتدفق داخل وخارج الصين القارية عبر هونغ كونغ. ("لماذا لا تزال الصين بحاجة إلى هونغ كونغ" ، معهد بيترسون الدولي للاقتصاد، 15 يوليو).

"لقد تم حجز ما لا يقل عن 64 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلي في البر الرئيسي* و 65 في المائة من استثماراتها الخارجية المباشرة في الخارج في هونغ كونغ. وتحتفظ البنوك الصينية، التي تبلغ قيمتها الآن 1.2 تريليون دولار، بأصول خارجية مركزة في هونغ كونغ" (" هونغ كونغ لا يمكن تعويضها للصين"،South China Morning Post, Aug. 30).

الامبرياليون يعرفون ذلك ويراهنون على أنهم يستطيعون فرض تنازلات على الصين عن طريق الابتزاز الاقتصادي. هذا هو خطر نظام "دولة واحدة ونظامان" في هونغ كونغ.

وفي زخم الحماس الذي تبديه الصحافة الرأسمالية تجاه الرجعيين فقد ضاعت محنة الطبقة العاملة.

في هونغ كونغ، تكلف المنازل 20.9 ضعف متوسط دخل الأسرة السنوي. قارن ذلك بـ 9.4 مرة في لوس أنجلوس و 9.1 مرة في سان فرانسيسكو - المدينتان ذواتا السمعة السيئة بسبب أزمة السكن - ليصبح حجم المشكلة واضحاً.

"هونغ كونغ تبني فقط للأثرياء. يقول تشان تو، 30 عاماً، وهو رجل نحيف مع بقع رمادية اللون في شعره وقد أصبح بلا مأوى منذ أن فقد وظيفته كطاهٍ في الصيف الماضي. لجأ تشان إلى ماكدونالدز، حيث كان ينام في مختلف الفروع كل ليلة على مدار الأشهر الأربعة الماضية، كما يقول" (هافينغتون بوست، 20 نوفمبر 2018).

McRefuge هو مصطلح في هونغ كونغ للأشخاص الذين يعيشون في الأكشاك في أماكن الوجبات السريعة. التشرد وكون المرء فقيراً هو أمر مزمن في هونغ كونغ. الحد الأدنى للأجور هو 4 دولارات أمريكية في الساعة، في مدينة تم تصنيفها على أنها الأكثر تكلفة في العالم. والمتظاهرون الذين يحملون أعلام الولايات المتحدة ليس لهم مطالب لتحسين الكثير من أوضاع الطبقة العاملة الفقيرة في هونغ كونغ.

تمثال الحرية في ساحة تيانانمين

لم تظهر هذه المناشدات الصارخة للاستعمار منذ مظاهرات ميدان تيانانمين في الصين في عام 1989. آنذاك، قامت مجموعة واسعة من الطلاب المتظاهرين المعادين للثورة، وكثير منهم درسوا في الولايات المتحدة، بعرض نسخة طبق الأصل من تمثال الحرية في الميدان، في نداء مفتوح للدعم الامبريالي الأمريكي.

ذهب ميخائيل غورباتشوف، الذي فتح الباب أمام الثورة المضادة في الاتحاد السوفياتي، إلى المظاهرات لإظهار تضامنه. وقد تم وضع رئيس الوزراء الصيني "الإصلاحي" على الطريقة الرأسمالية آنذاك، زاو زيانغ، تحت الإقامة الجبرية لتشجيعه ثورة مضادة واسعة النطاق تهدف إلى الإطاحة بالنظام الاشتراكي.

ويعد التجوّل داخل هونغ كونغ مع أعلام الولايات المتحدة في عام 2019 بمثابة عرض تمثال الحرية في ميدان تيانانمين في عام 1989.

اللعب مع الرأسمالية يشبه اللعب بالنار بالنسبة للاشتراكيين. تعد الهجمات على التكنولوجيا الصينية والتهديدات البحرية الأمريكية في بحر الصين الجنوبي والحرب التجارية الوحشية التي بدأها ترامب والمطاردة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي ضد العلماء الصينيين في الولايات المتحدة جزءاً من العداء المتزايد بين الاشتراكية الصينية والامبريالية الأمريكية . ويمكن للمرء أن يأمل أن تستخلص القيادة الصينية الدروس اللازمة من التطورات في هونغ كونغ والهجوم الأمريكي ضد الصين. وقد يكون إجراء تقييم قاسٍ للامبريالية الأمريكية والشهية الشريرة للطبقة المُستغِلّة أمراً واجباً.

بعد الموجة العظيمة المعادية للاستعمار في إفريقيا والهند والشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، كان لا بد من إنزال علم الاتحاد البريطاني. في الواقع، قيل إن التنازل عن هونغ كونغ كان آخر اللحظات في إمبراطورية بريطانيا العالمية. كان على البريطانيين والولايات المتحدة وغيرهم من الامبرياليين اللجوء إلى الاستعمار الجديد والتغلغل الاقتصادي وتثبيت الأنظمة التابعة للحفاظ على هيمنتهم على العالم.

إن رفع علم الولايات المتحدة في هونغ كونغ هو إشارة إلى أن هؤلاء المتظاهرين يريدون العودة إلى الاستعمار العلني القديم. وترامب والشركات يريدون إعادة المجد للاستعمار مرة أخرى.

المصدر: ميسلون



 


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv