Thursday, July 9, 2020
4:58 AM
   
 
دراسات
 
صراع المماليك والعثمانيين في سياقه التاريخي
  الثلاثاء 24 ديسمبر, 2019  
   


كارلوس شهاب/ميسلون

لكي يوضع صراع المماليك والعثمانيين في سياقه التاريخي الأقرب للدقة لا بد من العودة لعدة محطات تاريخية لإيضاح أصول هذا الصراع؛

الفترة الأولى: تبدأ مع محمد الثاني «الفاتح» الذي يعتبر المؤسس الفعلي للإمبراطورية، فبعد استيلائه على القسطنطينية عام 1453 بعد حصار طويل في معركة أقرب للمعارك الحديثة -وقتها بحسب يلماز أوزتونا أضاء المماليك القاهرة لمدة ثلاثة أيام إبتهاجاً بهذا النصر-،شرع يدعم أركان حكمه فتقدم نحو المورة لدعم حليفه ديمتري باليولوغ في حملتين عسكريتين 1458، 1460 ضد البندقية. ثم التوغل في البوسنة والهرسك في عام 1463 ايضاً ضد البندقية. ثم في العام 1468 بالسيطرة على إمارة قرامان جنوبي الأناضول، هذه الإمارة لم تكن لقمة سائغة للعثماني فمنذ البداية لم يستطع العثمانيين السيطرة على القبائل التركمانية فيها وفي العام 1471 ظهر أوزون [أو قوصون] حسن زعيم آق قوينلو والذي يسيطر على شرق الأناضول وإيران .

مطالباً بعرش إمارة قرامان، ولكي يضمن حسن هذه الإمارة عقد إتفاق مع البندقية ينص على أن يسيطر حسن على الأناضول بأكمله من دون أن يبني قلاع على المضائق أو قرب الشواطئ التي تمر بها سفن البندقية وكذلك سيطرة البندقية على أماكن (مورة Morea ، ليسبوس Lesbos، أيوبا Euboea ، وأرغوس Argos)، نجح حسن بطرد العثمانيين من إمارة قرامان بعملية مشتركة مع البندقية حيث قامت سفن البندقية بإنزال على شواطئ الإمارة وتوجه إلى بورصة نفسها لكن محمد أوقف تقدم حسن ثم هزمه في موقعة باشكانت عام 1473 وسُحق جيش حسن ثم حوصر البنادقة في شكودرا وانتهى هذا الصراع عام 1478 بتوقيع إتفاقية صلح تضمن انسحاب من المناطق التي احتلتها مع دفع ضريبة سنوية قدرها 10000 دوقية ذهبية لإسطنبول مقابل حرية التجارة للبندقية مع المرافئ العثمانية. كان المماليك في مصر منزعجين من سيطرة العثمانيين على إمارة قرامان التي تقع شمال مرافئهم وكذلك كانت تابعة لسيادتهم هي وإمارة أوزون حسن التي أنهاها محمد الفاتح وسيترتب على رفض هذه السيطرة أن يدخلوا في صراعات الأناضول.

الفترة الثانية: تبدأ هذه الفترة بعد موت محمد الثاني «الفاتح» عام 1481 إذ يندلع نزاع عنيف تشارك فيه الإنكشارية ضد السياسة العامة لإدارة محمد الفاتح، فلتنفيذ حروبه الكبرى أرهق مؤسسة الإنكشارية في حروب متواصلة تمتد حتى فترة الشتاء، ولتمويل هذه الحروب برفع رسوم الجمارك وزيادة الضرائب المفروضة على الفلاحين، وتخفيض قيمة العملة الفضية عدة مرات كما وقام بتحويل أكثر من عشرين قرية ومزرعة كانت ضمن نطاق الأوقاف وأملاك العائلات العريقة إلى رقابة الدولة ووزعها على أصحاب التيمارات (نخبة الدولة العسكرية والإدارية)، تسببت هذه السياسات بسخط واسع بين العلماء والمشايخ والعائلات العريقة الذين تحلقوا حول بايزيد أبن محمد الثاني كونه رأوا فيه إمكانية إلغاء سياسات والده في حين تحلق المعارضين للإلغاء بصف جِم شقيق بايزيد ودارت حرب أهلية بين الشقيقين حسمها «معبود الإنكشارية» كديك أحمد باشا لصالح بايزيد عام 1481 وطُرد جِم الذي وجد منفاه في مصر، وألغى بايزيد كافة سياسات والده وأعاد الأراضي للأوقاف وسحبها من أصحاب التيمارات كما إنه رفض التوسع بالحروب مما أثار معارضة كديك أحمد باشا هذه المعارضة تسببت بمقتل الأخير عبر مكيدة دبرها بايزيد.

عام 1482 عاد جِم إلى إسطنبول بمعونة المماليك وتفجرت حرب أهلية ثانية أستطاع بايزيد الانتصار فيها مرة أخرى وطرد أخيه إلى إمارة رودس، أشعل دخول جم بالمعونة المملوكية العداء المملوكي العثماني المضمر من السيطرة على إمارة قرامان، فقاد بايزيد ستة حملات كبرى ضد سلطان مصر والشام المملوكي وإمارة ذو القدر التي تمثل خط دفاع عن الأراضي المملوكية وتتبع لسيادتها لكن هذه لم تسفر عن شيء وأثبتت عدم جدواها فعقد الطرفان صلح تعود فيه الأوضاع إلى ما كانت عليه.

الفترة الثالثة: تبدأ من نهايات حكم بايزيد وإشتعال تمرد القزلباش في الأناضول، القاعدة الشعبية لهذا كانت من القبائل التركمانية التي تسوطن إمارة أق قوينلو شرق الأناضول تحت قيادة أوزون حسن، وبعد إن فتك بهم محمد الثاني «الفاتح» عام 1473، حاول بايزيد تسجيلهم في الدفتر العثماني لكي يدفعوا الضرائب للدولة مقابل استيطانهم في الأرض، رفضت هذه القبائل إجراءات بايزيد وبايعت في هذا الوقت الشاه إسماعيل الصفوي الذي بدأ يأخذ مكان أوزون حسن كمعارض للعثمانيين وفي العام 1511 أشعل القزلباش تمرداً بقيادة السپاهية (أصحاب التيمارات الذين جردهم بايزيد من امتيازاتهم) أحرقت هذه الانتفاضة كل ما في طريقها نحو بورصة فقام سليم «العابس» بعزل والده وإعلان نفسه سلطاناً، سليم هو شخصية دموية ولكن دمويته كانت في سياقها فهو لا يختلف عن الأمير أوليغ الذي بطش بإخوته ولا يختلف عن الملك شارل التاسع الفرنسي الذي ذبح ما يقارب 20 ألف بروتستانتي عام 1572 في مذبحة سان بارتيليمي، في كل دولة سلالية ستجد شخصية مشابهة لسليم العابس وليس من المنطقي أن تُحاكم هذه الشخصيات بمحاكمات اليوم. بطش سليم بإخوته الذين ينافسونه على العرش ثم تبعها بسجن وذبح أربعين ألف من قادة وأتباع تمرد القزلباش، توجه بعدها لموقعة جالديران 1514 التي أستطاع فيها تحجيم الصفويين في الشرق. كانت من بين الإمارات الداعمة للتمرد القزلباشي إمارة ذو القدر التركمانية «دولكادر أوغلو»

والتي كانت تتبع أسميا للسلطان قانصوه الغوري المملوكي، توجه سليم بعد جالديران إلى هذه الأمارة وكان الصدام المملوكي العثماني حتمي بعد سيطرة سليم على هذه الإمارة، تتابع أحداث هذا الصدام وصولاً لإعدام طومان باي وتعيين خايير بك المملوكي والياً على مصر، تجدر هنا الإشارة إلى أن المماليك طلبوا مساعدة العثمانيين لمواجهة البرتغاليين، كما إن شريف مكة أرسل وفداً يحث السلطان سليم على التدخل، وكان شائع بين الحكام المحليين -مثل شريف مكة- إن تقدم سليم يأتي فقط بالضد من المماليك وبالتالي أيدته واعترفت به، حتى إن سليم لم يواجه مقاومة أثناء عبوره سيناء نظراً للأمان الذي أعطاه .

المصدر: ميسلون



 


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv