Friday, January 24, 2020
4:47 PM
   
 
مختارات
 
المشروع التركي في المنطقة العربية.. ماضٍ ومستقبل
  الأحد 22 ديسمبر, 2019  
   


حسني محلي / كاتيخون

عندما حلّ عبد الله غول ضيفاً على دمشق في 4 كانون الثاني/يناير عام 2003 وهي أول عاصمة أجنبية يزورها كرئيس للوزراء بعد انتصار حزب "العدالة والتنمية" في انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2002، كان رجب طيب إردوغان آنذاك ممنوعاً من ممارسة العمل  السياسي.

وكان أحمد داود أوغلو مستشاراً لغول في السياسة الخارجية واستمر هكذا مع أردوغان الذي أصبح رئيساً للوزراء في 15 آذار/مارس 2003 بعد أن دافع دفاعاً مستميتاً عن مشاركة الجيش التركي في الاحتلال الأميركي للعراق، وهو ما رفضه البرلمان آنذاك. وجاءت مساهمة إردوغان في قمّة "مشروع الشرق الأوسط الكبير" في سي آيلاند في أميركا حزيران/يونيو 2004 لتعكس مدى اهتمامه بالمنطقة التي تدخّل بكل صغيرة وكبيرة فيها قبل وبعد ما يسمّى بالربيع العربي.

خلافًا لغول بدأ إردوغان أول زيارته لدول المنطقة بالسعودية، التي زارها في كانون الثاني/يناير 2004 ثم سوريا في كانون الأول/ديسمبر من نفس العام وبعدها "إسرائيل".

كانت هذه الزيارات وما لحق بها من عشرات الزيارات التي قام بها غول كوزير للخارجية وأحمد داود أوغلو كمستشار للشؤون الخارجية كافية لفتح الأبواب على مصراعيها أمام "العثمانيين الجُدد" الذين دخلوا المنطقة العربية من البوابة السورية كما فعل ذلك السلطان سليم في آب/أغسطس 1516، وأردوغان لا يريد أن يخرج منها كما خرج أتاتورك منها عام 1917.

حملت مشاركة أردوغان في القمة العربية بالخرطوم، آذار/مارس 2008، في طياتها قبولاً عربياً وأحياناً ترحيباً بالدور التركي "السني" في المنطقة، وأراد البعض له أن يوازن الدور الإيراني "الشيعي"، وكان هو أيضاً عبر البوابة السورية.

اعتقد إردوغان أن هذا القبول العربي بالإجماع الذي تكرّر في "قمة سرت" عام 2010 سوف يساعده على  تحقيق أهدافه على طريق إحياء ذكريات السلطنة والخلافة العثمانية حتى ما قبل "الربيع بالعربي". يفسّر ذلك مساعيه لتحقيق المصالحة بين دمشق وتل أبيب أواسط 2008 وقبل ذلك إقناع الرئيس السوري بشار الأسد بالانسحاب من لبنان بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

وكانت زيارة خالد مشعل إلى أنقرة في شباط/فبراير 2006 إثر فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية العنصر الآخر الذي اعتقد أردوغان أنه سيساعده على ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد على الصعيدين العربي والإسلامي وبمنافسة إيران أيضاً. وهو الحساب الذي ما زال مستمراً بعد إقناع حماس بإغلاق مكاتبها في دمشق بعد "الربيع العربي"، ويراد له أن ينهي القضية الفلسطينية.

اعتبر أردوغان هذا "الربيع" فرصته الذهبية لتحقيق أحلامه وأهدافه في المنطقة ومن خلالها وعبرها في جميع أنحاء العالم، وهو يقول للجميع إنه الأقوى بفضل أوراق المساومة المتعدّدة التي يمتلكها في سوريا، والآن في ليبيا، وقبلها مع قطر والسودان قبل خلع البشير.

وجاء خطاب أردوغان في 7 آب/أغسطس 2011 ليعكس عزمه وإصراره على التدخل المباشر في شؤون المنطقة بعد أن فتحت أحداث تونس وليبيا ومصر، بل والمغرب، أبواب السلطة للإسلاميين في هذه الدول التي بايع "إخوانها المسلمون" أردوغان بصفته النموذج "الديمقراطي الناجح في بلد مسلم وعلماني".

نجحت العواصم الغربية في تسويق هذا النموذج إلى دول وشعوب المنطقة وأقنعها أردوغان بأنه المُدافِع الحقيقي عن قضاياها ضد "الغرب الصليبي" والصهيونية العالمية. وقال أردوغان في خطابه هذا "إننا لا نرى في موضوع سوريا شأًناً خارجياً بل هو شأن داخلي بالنسبة لنا، ولا يمكن لنا أن نقف موقف المُتفرّج حيال هذه التطوّرات، ونحن نسمع صوت السوريين وملزمون بالقيام بما يجب أن نقوم به هناك".

هذا ما فعله أردوغان فجعل من تركيا طرفاً مباشراً في الأزمة السورية، وجاءت تطوّرات ليبيا لتثبت بكل وضوح رغبة أردوغان المطلقة لفرض الرؤية التركية، الشخصية منها والتاريخية، بشقيها القومي والديني على المنطقة العربية، وهو ما لا يفعله مع باقي الدول الإسلامية. وترى أحزاب المعارضة التركية في نهج أردوغان هذا المزيد من المغامرات بعد التورط في سوريا والتوتر مع الرياض وأبوظبي والقاهرة من أجل الدوحة، مع التمسّك بورقة حماس التي ينافسه فيها الرئيس السيسي.

ويرى السيسي بدوره في تدخل إردوغان "الإخواني" في الجارة ليبيا خطراً استراتيجياً على بلاده وعلى كل من الجارات: تونس والسودان والجزائر. وحسابات إردوغان في هذه البلدان ما زالت مستمرة، لا اقتصادياً وسياسياً فقط، بل عسكرياً وأمنياً وإستراتيجياً، أي عقائدياً، بحسب رأي الجنرال المتقاعد حلمي صولماز تورك.

يرى أردوغان في هذه الدول عمقاً استراتيجياً لمصالحه ومصالح تركيا التي تسعى إلى تطوير قدراتها العسكرية، ليحقق ذلك لها تفوقاً معنوياً على الصعيدين الداخلي والخارجي، وإلا لما نجح أردوغان في إقناع أنصاره في الداخل والإسلاميين في العالم أنه يتحدّى أميركا وأوروبا وأعداء الأتراك من العرب الذين "طعنوا العثمانيين من الخلف"، والقول هنا للإعلام الموالي لإردوغان والذي شن هجوماً عنيفاً ضد جامعة الدول العربية لأنها استنكرت عملية "نبع السلام" شرقي الفرات.

ويستبعد عدد من المحللين أن يتخلى أردوغان عن نهجه وأسلوبه العقائدي هذا، فهو لا ولن يكفّ عن حساباته الشخصية في سوريا، حيث بات الوضع أكثر تعقيداً وخطورة طالما أن أردوغان يعتقد أن هذه الحسابات تساعده على القيام بالمزيد من المغامرات في ليبيا وسوريا والعراق وقطر واليمن والسودان ولبنان، وهو يرى في نفسه الحامي الوحيد لحمى "الإخوان المسلمين" في المنطقة والعالم.

وترى المعارضة التركية أن نهج إردوغان له علاقة مباشرة بسياساته في الداخل طالما أنه يسعى لأسلمة الأمّة والدولة التركية بكل مؤسّساتها وخاصة الجيش وعساكره "جنود النبي محمّد (ص)" وفق التسمية التركية، فيما يؤمن أردوغان أن نجاحه في هذه المهمة "التاريخية" أمر مرهون بانتصاره في سوريا. ويفسر كل ذلك استمرار التواجد التركي الكبير بكل مؤسّساته شرقي الفرات وغربه، وتقديم كافة أنواع الدعم لكل الفصائل المسلحة وأحزاب وقوى الإسلام السياسي السوري والعربي.

وتبيّن المُعطيات بكل وضوح أن أردوغان سيستمر في نهجه هذا مهما كلفه وكلف تركيا ودول المنطقة، التي يرى في كل تفاصيلها شأناً داخلياً بحتاً بالنسبة له شخصياً، وقبل أن يكون ذلك بالنسبة لتركيا التي ترى في إيران البلد المنافس الوحيد لها، طالما أن المنطقة العربية باتت في مهبّ الرياح الإقليمية والدولية بعد "الربيع العربي".

ولولا هذا "الربيع" لما كنا الآن نتحدث عن تركيا وأردوغان بهذه الصيغة بعد أن أثبتت السنوات الثماني الماضية بكل تفاصيلها الدقيقة والخطيرة أنه لم ولن يتراجع عن نهجه المعروف، ومازال يعتقد أن ذلك سيساعده على تحقيق كل أهدافه طالما أنه حفيد السلاطين العثمانيين الذي أرعبوا العالم وحكموا العرب 400 سنةً.

هذه القرون الأربعة انتهت بـ"سايكس بيكو" ووعد بلفور، وأخيراً وليس آخراً بـ"الربيع العربي" الذي استفاد منه طرف واحد هو "إسرائيل" التي حقّقت مكاسب استراتيجية لمئة عام لم تكن تحلم بها منذ قيامها، والفضل في ذلك لكل من تآمر على سوريا بعِلم أو من دون علم.

كاتيخون



 


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv