Friday, November 15, 2019
12:32 AM
   
 
مختارات
 
هيغل ومسرح التاريخ
  الإثنين 28 أكتوبر, 2019  
   


كارلوس شهاب- المصدر: ميسلون

عالمٌ جديد

قسَّم هيغل العالم إلى عالمين، قديمٍ وجديد. أما الجديد، فكان أستراليا والأمريكيتين، وهذه الأجزاء، بحسب هيغل، ليست جديدةً نسبيًّا، بل إنها جديدةٌ طبيعيًّا، وقد كانت هذه الجِدَّة السبب وراء "هشاشةٍ" في التكوين النفسي لسكان تلك الأجزاء، إذ قال:

» تنقضي الثقافة في الأمريكيتين بمجرَّد ما تقترب منها الروح (أي أوروبَّا). « {1}

ثم أرجع انحسار السكَّان الأصليين إلى عدم تقبُّلهم التعاليم الأوروبِّية، فقال:

» أراد اليسوعيون ورجال الدين الكاثوليك أن يُعوِّدوا الهنود على الثقافة والعادات الأوروبِّية، فبدأوا يتَّصلون بهم اتصالًا وثيقًا، وفرضوا عليهم واجبات اليوم، وقد قبِلها الهنود رغم كسلهم، وأذعنوا لها متأثِّرين بسلطة الرهبان. « {2}

إلا أن الهنود ظلُّوا دون المستوى الذي أراده الأوروبِّيون لهم، ولهذا، استبدلوهم بالزنوج، إذ أن الزنوج، بحسب وصف هيغل، هم "أكثر تقبُّلًا للروح المدنية الأوروبِّية من الهنود". ثم توصَّل هيغل إلى نتيجةٍ مفادها:

» ما دام أن الأمَّة الأصلية قد اختفت، أو هي على وشك الاختفاء، فإن السكَّان الفعليين هم الذين جاؤوا من أوروبَّا في الأعمِّ الأغلب، أي أن ما يحدث في أمريكا، ليس إلا انبثاقًا لأوروبَّا. « {2}

ترِد مفردات "اختفاء" و"انحسار" في النصِّ الهيغلي، دون أن يشير هيغل أبدًا إلى كيفية اختفاء هؤلاء الهنود وانحسارهم، فهل جُرفوا بفعل عوامل التعرية (الأمطار والرياح)؟ أم سئموا البقاء في تلك الأرض، فاختفوا فجأةً؟ أم أن الأوروبِّي ضاق بهم ذرعًا – لا سمح الله – ودعا عليهم، فخُسِفت بهم الأرض؟

عالمٌ قديمٌ ولكن بشروط

وبعد أن فَرغ السيِّد هيغل من تبيان "هشاشة" العالم الجديد، وكيفية "اختفاء" الهنود والأبوريجينيز بمجرَّد وصول الروح – أوروبَّا – إليهم، عاد إلى العالم القديم الذي يُعدُّه "مسرح التاريخ"، والذي سيشرف هيغل على هندسة خشبته بنفسه لتشمل فئةً واحدةً فقط، فيبدأ مرحلة تفصيل العالم القديم من إفريقيا، ليقول أنها:

» ترقد فيما وراء تاريخ الوعي لذاته، يلفُّها حجاب الليل الأسود. « {3}

هنا، يحاول هيغل أن يشرح لنا أن الإنسان الإفريقي يمثِّل الإنسان في حالته الهمجية غير المروَّضة على الإطلاق، فلا يمكن لشيءٍ مما يتَّفق مع الإنسانية أن يوجد في هذه الشخصية. تجدر الإشارة إلى أن هيغل قد استعار معظم العناصر التي استعملها لتشكيل الشخصية الإفريقية من الروايات التي رواها المبشِّرون عن إفريقيا، وأنه قد حاول إثبات صحَّة هذه العناصر من خلال إدراجها في فلسفته. وانطلاقًا من مقولته في البداية، التي تُقرُّ أن الوعي في الشخصية الزنجية لم يبلغ بعد مرحلة التحقيق لأي وجودٍ موضوعيٍ، مثل الله، وأن الشخص الزنجي لا يزال أسير الطبيعة، يُسوِّغ هيغل استعباد الأوروبِّيين للأفارقة وبيعهم في أمريكا، فيقول:

» لقد استعبد الأوروبِّيون الزنوج وباعوهم إلى أمريكا، وإذا كان ذلك أمرًا سيِّئًا، فإن مصيرهم في بلادهم أشدُّ سوءًا، حيث توجد عبوديةٌ مطلقةٌ، ذلك أن المبدأ الجوهري للرقِّ أو العبودية، هو أن يكون الإنسان قد وصل إلى مرحلة الوعي بحريَّته لينحدر بعدها إلى مرتبة الشيء المحض، أعني أنه أصبح موضوعًا بغير قيمة. « {4}

هنا، يرفع هيغل الحرِّية عن الأفارقة قبل مجيء الأوروبِّي بسبب غياب وعيهم بحريَّتهم، وعليه، لا يُعدُّ استعباد الأوروبِّي لهم استعبادًا، ذلك أنهم لا يملكون وعيًا بحريَّتهم أصلًا حتى ينحدروا إلى شيءٍ محض! ولكن ماذا عن الأفارقة الذين قاتلوا الأوروبِّي ورفضوا استعباده، وفضَّلوا الموت على العبودية؟ يجيب هيغل على هذه الإشكالية باختزاله الشجاعة الأفريقية بالآتي:

» ...احتقار الإنسانية عند الزنوج، ليست هي ازدراء الموت، بقدر ما هي الافتقار إلى احترام الحياة. وينبغى أن نعزو الشجاعة العظيمة التي نجدها عندهم إلى سمة افتقارهم لاحترام الحياة هذه، التي تدعمها قوَّةٌ بدنيةٌ كبيرةٌ، وهذه الشجاعة تظهر عند أولئك الزنوج الذين كان الآلاف منهم يتعرَّضون بمحض إرادتهم للموت برصاص الأوروبِّيين وهم يقاتلونهم. فالحياة لا قيمة لها إلا عندما تُتَّخذ من شيءٍ له قيمة. « {4}

هنا أيضًا، يُرجع فيلسوف العقلانية المطلقة الأوروبِّي ذنْب مقتل الأفارقة إلى عدم احترامهم للحياة، وليس إلى همجية الأوروبِّي نفسه، إذ أن تضحية الأفارقة بأرواحهم ليست شجاعةً بل افتقارٌ لاحترام الحياة، فلم يخطرْ في عقله أن تكون في سبيل الخلاص من جحيم العبودية الأوروبِّية!

أخيرًا، يبحث هيغل عن سبب دونية الزنجي، فيعزوها إلى سببٍ دينيٍ، ذلك أن الإنسان الزنجي لا زال أسيرًا للطبيعة، ولم ينفصل وعيه عنها رمزيًّا حتى يتمكَّن من تشكيل بُعده الإنساني الواعي. من جديد، يختزل فيلسوفنا الديانة الإفريقية (التي لم تكن تختلف عن مُجمل الديانات في العالم، وكانت قد طوَّرت رؤيةً خاصَّةً للعالم ولله، الذي اعتبرته روحًا في جوهره، يسمو فوق كلِّ الكائنات)، وينطلق من حكايات المبشِّرين والرحَّالة، ليصل إلى أن القصور الديني هو ما يجعل الإفريقي عاجزًا عن إيجاد كيانٍ سياسيٍ يُنظِّم شؤون حياته، بل أن طبيعة الزنجي "هي من ذلك النوع الذي يحول دون وجود مثل هذا التنظيم".

ثم يقدِّم هيغل هذه المعطيات ليبني عليها خلاصته حول "دونية الزنجي"، وأن الشخصية الزنجية تفتقر إلى ضبط النفس، وأنه لذلك كانت الرابطة الجوهرية بينهم وبين الأوروبِّيين هي الرقَّ، وعلى ضوء هذه الحقائق، يخلص ليقول:

» إن الرقَّ كان فرصةً لزيادة الشعور الإنساني بين الزنوج. « {5}

"الشرق" في مخيال هيغل

يواصل السيد هيغل هندسته لخشبة "مسرح التاريخ" أو العالم القديم. بعد أن أقصى إفريقيا من هذه الخشبة، يبدأ مرحلة إقصاء آسيا (الشرق)، فممارسات العقل في المرحلة الشرقية، بحسب هيغل، تتراوح بين تأمُّلٍ سلبيٍّ، واندهاشٍ وذهولٍ، وانفعالٍ ونزقٍ واستبداد؛ عليه، يصبح العقل الشرقي هو طفولة التاريخ لدى هيغل.

أوَّل قسمٍ يبدأ به هيغل من الشرق، هو أقصى الشرق (الصين)، وأوَّل حُكمٍ يصدره بحقِّ الصين، هو "ثبات الجوهر الصيني"، أي أن الصين باقيةٌ على حالها منذ فجر التاريخ، دون تغيير، باقيةٌ في السكون والخمول، الذي يتميَّز به الشرقي عمومًا... ثم يبدأ بوصف الشعب الصيني:

» إن شخصية الشعب الصيني في جوانبها المختلفة، والسمة التي يتميَّز بها، هي أنه كان بعيدًا عن كلِّ ما يتعلَّق بالروح – أي عن الأخلاقيات الحرَّة، الذاتية منها والموضوعية – وعن الوجدان، عن الجانب الباطني للدين، والعلم والفنِّ الجدير حقًّا بهذا الاسم. وإذا كان الإمبراطور يتحدَّث إلى الشعب بجلالٍ ورِقَّةٍ وعطفٍ أبويٍّ، فإن الشعب ليس لديه عن نفسه إلا أسوأ المشاعر الذاتية، فهو يعتقد أنه لم يولد إلا ليجرَّ مركبة السلطة الإمبراطورية. ويبدو لأفراد الشعب العبء الذي ينوء به كاهلهم وكأنه قدرهم المحتوم، ولا يبدو لهم أمرًا مزعجًا أن يبيعوا أنفسهم كعبيد، وأن يأكلوا خبز العبودية المُرَّ، أما الانتحار كعمليةٍ انتقاميةٍ، والتخلِّي عن الأطفال وتركهم في العراء، فهي عاداتٌ مألوفةٌ وأشياءٌ تحدث يوميًّا، وتدلُّ على مبلغ ضآلة الاحترام الذي يكنُّونه لأنفسهم كأفرادٍ وكبشرٍ بصفةٍ عامَّة. « {6}

استقى السيِّد هيغل هذه الصورة الرغبوية المختزلة عن الصينيين من مصدرين، أوَّلهما الأخبار الرومانية عن الصين، وثانيهما الأخبار السحرية التي أوردها عنها الرحَّالة ماركو بولو، والتي كان منها أن:

»قبلاي خان كان يُصدر أوامره اليومية للشمس لكي تُشرق! « {7}

دمج السيِّد هيغل هذين المصدرين، فكانت لنا هذه الصورة الرغبوية عن الصينيين.

أما الهند، فهي الأخرى التي تنتظم في المخيال الهيغلي بوصفها لوحةً جامدةً ساكنةً، مقدَّرٌ لها أن تظلَّ على حالها دون تغيير، وينتقل السيِّد هيغل هنا إلى وصف الوضع الأخلاقي للهنود وسط حالة الجمود، فيقول:

» إنه من أكثر الأوضاع انحطاطًا وفسادًا... الخداع والمكر هما الخاصِّيتان الأساسيتان للرجل الهندي، فالغشُّ والسرقة والسلب والاغتيال هي بالنسبة له أمورٌ عاديةٌ مألوفةٌ تكمن في عاداته وأعرافه. « {7}

يستقي السيِّد هيغل هذه التمظهرات البشعة من تقارير الاحتلال الإنجليزي للهند؛ وعليه، يُدخلها في عناصر فلسفته، معتبرًا إيَّاها تجلِّياتٍ لروح الهندي، فالحياة الهندية، بحسب هيغل، ما هي إلا خرافةٌ، إذ أن:

»كلُّ شيءٍ عند الهندي أحلامٌ وعبوديةٌ لهذه الأحلام. فحالة الفناء، أي التخلِّي عن كلِّ عقلٍ وكلِّ أخلاقٍ ذاتيةٍ، لا يمكن أن تأتي إلى شعورٍ إيجابيٍ ووعيٍ بذاتها، إلا بواسطة الغُلوِّ في خيالٍ جامحٍ لا حدَّ له، حيث تجد راحةً واستقرارًا، مثل الروح القفر، ولا تستطيع دائمًا أن تدرك نفسها، لكنها لا تجد المتعة إلا على هذا النحو، وذلك مثل إنسانٍ منحطٍّ دائمًا، جسدًا وروحًا، يصبح وجوده غامضًا، فيجد كُلًّا مُملًّا لا يطاق، فينساق عن طريق الأفيون فقط إلى خلق عالمٍ من الأحلام وإلى خلق النعيم الهذياني. « {8}

مرَّةً أخرى، يُطلُّ السيِّد هيغل من علياء مركزيته العرقية، ليرمي شعبًا آخر بكُتلة تعميماته المختزلة الجاهزة، التي لا تدلُّ إلا على شَحَّة النظرة الموضوعية، بحيث لو رفعنا التسميات من النصِّ الهيغلي، مثل "هندي" و"صيني"، سنجد أن الأوصاف مكرَّرةٌ ومبتذلةٌ لكلِّ الخارج اللاغربي.

ثم ينتقل السيِّد هيغل من الهند إلى فارس، حيث يُقرُّ أن الشعب الفارسي هو أوَّل شعبٍ مرتبطٍ بالتاريخ، فبينما يظلُّ الهنود والصينيين ساكنين خاملين، يظهر النور في فارس، نور "زرادشت"، الذي ينتمى إلى عالم الوعي أو الروح، وهي محكومةٌ بعلاقةٍ مميَّزةٍ عن ذاتها.

يقصد هيغل بـ "فارس"، الأرض المترامية الأطراف التي تشمل إيران وآسيا الصغرى وأرمينيا والعراق ومصر والشام، وتندرج تحت هذه التسمية جميع الحضارات التي قامت بشكلٍ متعاصرٍ أو متعاقبٍ في المنطقة، ولكن هيغل يختزل هذا التنوُّع الخصب بمسمَّى "فارس"، اعتمادًا على تعاليم زرادشت.

تتوزَّع عناصر الروح والترف والتجارة والانفصال الجزئي عن الطبيعة بين حضارات هذا الشعب، فوحدهم المصريون من استطاعوا جمع هذه العناصر كلِّها (ومن هنا جاء اعتبار هيغل إفريقيا الشمالية جزءًا من أوروبَّا، وتأييده لحملات الاستعمار الفرنسية من أجل إرجاع هذا الجزء إلى الحضارة، وقد تسرُّب تصوُّره هذا إلى إنجلز حول الاستعمار الفرنسي في الجزائر).

ولكن هذا "الشعب" أيضًا، لم ينجُ من منشار السيِّد هيغل، حيث أن ارتباطه بالتاريخ لم يخرجْه من حيِّز الشعوب الدونية، فظلَّت "الروح" لدى هذا الشعب عمياءَ عن إدراك الكلِّي الحرِّ بذاته؛ إذ لم يستطع إنجاز هذه الخطوة الجبَّارة إلا الإغريق، وقد سلَّموا صولجان السلطة والحضارة للرومان، الذين أوصلوه بدورهم إلى شعوب المنطقة الوسطى من أوروبَّا (الإمبراطورية البروسية، فرنسا، إنجلترا)، الشعوب التي تقف وحدها على خشبة مسرح تاريخ السيِّد هيغل.

خلاصة

طبقًا للنظام التراتبي الهيغلي للشعوب، ثمَّة حدٌّ فاصلٌ بين نمطين من بني الإنسان:

- نمطٌ دونيٌّ منحطٌّ ووضيعٌ، لا معنى لحياته، لأن تلك الحياة هي فعل غير التاريخ (العالم اللاغربي).

- نمطٌ متفوِّقٌ وذكيٌّ ورفيعٌ وسامٍ، ينسب إليه فضل إعلان ولادة التاريخ الإنساني (العالم الغربي).

يُلاحظ أن النمط الوضيع يقع تحت كتلةٍ من الأوصاف المحدَّدة المتشابهة، التي تنطبق على الجميع دون استثناءٍ، ولولا لطف السيِّد هيغل بنا، ووضعه أسماءً مثل "صينيٍ" و"إفريقيٍ" و"هنديٍ" في نصوصه، لما عرفنا أنه يتحدَّث عن شعوبٍ متنوِّعةٍ، لها حضاراتٍ ونتاجاتٍ وأنماط حياةٍ معقَّدة.

المصادر :

{1} هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، الجزء الاول (العقل في التاريخ). ترجمة إمام عبد الفتاح، ص 159.

{2} المصدر السابق. ص 160.

{3} المصدر السابق. ص 172.

{4} المصدر السابق. ص 174.

{5} المصدر السابق. ص 176.

{6} هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، الجزء الثاني (العالم الشرقي)، ترجمة إمام عبد الفتاح، ص 61.

{7} جون مان، قوبلاي خان: ملك المغول الذي أعاد بناء الصين. ترجمة أحمد لطفي، ص 124.

{8} هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، الجزء الثاني (العالم الشرقي)، ترجمة إمام عبد الفتاح، ص 124.

المصدر: ميسلون

 


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv