Friday, July 19, 2019
6:53 PM
   
 
مختارات
 
القوّة الناعمة وقوّة الجذب
  الثلاثاء 02 يوليه, 2019  
   


د. عبد الحسين شعبان

تستهدف القـوّة الناعمة التأثير على العقل والوجدان والسلوك، باعتبارها قوة جذب، بالترغيب، وبالعقل يمكن اعتبار العدوّ أو الخصم بالتبرير جاذباً لقيم الحريّة والعدل والديمقراطية والقانون وغيرها، الأمر الذي يؤدي إلى انشداد طوعي وإرادي له من خلال التحفيز، وهذا الأمر يدخل على الوجدان، وتسخير مشاعر المودّة والمحبّة، باتجاه الوئام بدلاً من العداء تمهيداً للتأثير، ويقوم الاستهلاك أيضاً على قوة الجذب عن طريق الإعلان والترويج لنمط الحياة السائد، وأحياناً خارج منطق العقل، في اقتناء السلع، ليس وفقاً للمنفعة أو التنمية التبادلية، بل بحكم تأثير النزعة الاستهلاكية على المتلقي.

القوّة الناعمة هي إحدى وسائل الحرب النفسية، لعدم المواجهة بالرفض أو الاستنكار وتهدف استمالة الجماعات المستهدفة، وللحرب الناعمة أدوات ونجوم مثل الشركات والإعلام وشركات الإعلان والتسويق ومراكز المال والأبحاث وأجهزة المخابرات، وتستهدف الإقناع حتى وإن كان عن طريق الخداع، والتّضليل.

وحسب غوستاف لوبون، فإن الإدمان على بعض وسائل الإعلام يعطي جرعات عاطفية ومؤثرات بصرية إيحائية، ويتم هذا اليوم عبر: الفيس بوك وتويتر والأنترنت والتلفزيون والقنوات الفضائية العالمية والموبايل، الأمر الذي يؤثر على الخصم.

خذ مثلاً كيف تروّج مصانع هوليوود للقوّة الأمريكية الناعمة، عبر وسائل بصرية، ومن خلال الإمتاع والعنف والابتذال، الأمر الذي يؤثر لا شعورياً على خيار المتلقي، وغالباً ما يكون المضمون ذو أهداف سياسية.

بعض الإحصاءات تقول إن ما يوازي 1000 ساعة سنوياً يتعرّض فيها الإنسان إلى وسائل الإعلام، وهو أكثر من الوقت الذي يقضيه طلبة المدارس الذين تقارب فترة دوامهم بنحو 800 ساعة سنوياً، مع فارق الرغبة والتشويق ومحاولات التقليد والتفاعل، من خلال الأفلام والمسلسلات لدرجة الإدمان.

يلاحظ الضخ الإعلامي لمحادثة بسيطة مثلاً وعادية، لدرجة تصبح حدثاً عالمياً، ماذا يعني ذلك؟ إنه بكل بساطة التغطية على جرائم كبرى. يقول برتولت بريخيت الكاتب والمسرحي الألماني: "أي زمن هذا الذي يكاد يُعد فيه الحديث عن الأشجار جريمة، لأنه يتضمن الصمت على العديد من الفظائع؟".

مثلاً مقتل جندي أمريكي أو تعرضه لاختطاف، وإنْ كان أي عمل عنفي وخارج نطاق القانون أمراً غير إنساني باستثناء الدفاع عن النفس، ولكن الغرض منه التغطية على حروب إبادة كما تفعل "إسرائيل" يومياً بحق الشعب العربي الفلسطيني، وحروب واشنطن في العديد من المناطق في العالم.

وجزء من الحرب الناعمة تلفيق الحقائق وتزيينها وتشويه المفاهيم، تارة بزعم الحداثة وأخرى بزعم نبذ الماضي والتخلّص من خلال ازدواجية المعايير، ويصبح حصار شعب مسألة إنسانية لملاحقة مرتكب أو حاكم مستبد، والاحتلال تحريراً، وهكذا، والمهم تكوين منظومة قيمية مختلفة تكون مرجعيتها الفكرية نفسها الجهة التي تحاول فرض الهيمنة والاستتباع، لتدمير الهويّة الوطنية والخصوصية المحلية.

كيف يمكننا تصوّر جهة مثل مؤسسة راند Rand الأمريكية المقربة من الـ CIA تدعو إلى "بناء شبكات إسلامية معتدلة"، وذلك بحد ذاته وسيلة من وسائل الحرب الناعمة، للتأثير على الشباب في عدم مواجهة المشروع السياسي، ودفعهم للصراع في مجتمعاتهم، ليس لأنها تخلو من هذا الصراع الذي هو موجود، خصوصاً في قضايا الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ولكن الهدف منه هو إعطاؤه الأولوية على حساب الصراع مع الإمبريالية الصهيونية.

وتقوم هجمات مختلفة وتحت مبررات وأهداف متنوعة بتقديم دعم لبعض مؤسسات المجتمع المدني، وكان بول بريمر قد قال في كتابه "عام قضيته في العراق" إنه وزّع 780 مليون دولار خلال وجوده على مؤسسات المجتمع المدني وجهات إعلامية، ولم تعترف أية جهة أنها استلمت مبالغ من بول بريمر وتحت أي عنوان من العناوين، سياسي أو مدني أو ديني أو عشائري أو غير ذلك.

في الحرب الناعمة تجري محاولات لإشغال الآخر بالدفاع عن النفس على المستوى الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فالخصم متهماً وعليه تبرير دفاعه عن حقوقه، بحيث تصبح المقاومة إرهاباً، وغالباً ما تكون شعوباً عرضة للتحدّيات، بحكم سيل التلفيقات والاتهامات الموجهة إليها والتي عليها تبريرها. أما الأسئلة للقوى المتسيّدة في العلاقات الدولية، فدائماً تظل بلا أجوبة، بل إنها هي التي توجه الأسئلة، وعلى الآخرين الإجابة عليها. وهناك وسائل مختلفة للتأثير على الشباب، مثل نشر المخدّرات وتبييض الأموال والاتجار بالبشر والفساد المالي والإداري، وغير ذلك.

وحتى الوسائل والأساليب الديمقراطية كالانتخابات مثلاً تريدها دائماً مطابقة لما ترغب به، وذلك بهدف تحويل نقاط القوة إلى نقاط ضعف، من خلال تشويه الحقائق وقلب الأمور، فالحرب الناعمة هي حرب بل ما تعني الكلمة دون استخدام السلاح.

المصدر: شبكة النبأ المعلوماتية

 


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv