Saturday, August 17, 2019
2:32 AM
   
 
مقالات
 
الفورة الصفراء: فرنسا وتناقضات العولمة
  الأحد 23 ديسمبر, 2018  
   


الدكتور أيمن البوغانمي/ مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية

تعرف فرنسا هذه الأيام حالة استثنائية من الغضب الشعبي العارم الذي أخذ شكلا غريبا عكسه اسمها، أي حركة السترات الصفراء. وقد جاءت هذه الحركة رفضا لقرار الحكومة رفع الضرائب على المحروقات في إطار سياسة الانتقال الطاقي التي تسعى فرنسا كغيرها من البلدان المتطورة لتكريسها. ولم يتوقع أحد أن الضريبة المذكورة، والتي تعتبر بسيطة بالمقاييس الفرنسية، ستتحول إلى شرارة تهدد استقرار المجتمع الفرنسي ومؤسسات الجمهورية الخامسة. وهو ما يدفع للتساؤل عن طبيعة هذه الحركة وممكناتها، خاصة في ظل انتشار أنماط جديدة من التعبيرات الغاضبة يبدو أن المؤسسات الديمقراطية ووسائلها الحوارية التقليدية قد أصبحت عاجزة عن استيعابها.

السترات الصفراء: حركة بلا لون

لقد عاشت فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة على وقع آلاف المظاهرات التي بدأت في الأطراف وتوغلت تدريجيا حتى وصلت إلى قلب باريس. ولئن كان بلد الثورة متعودا على الاحتجاجات الشعبية، فإن الحركة الحالية لا تبدو مطواعة للنماذج التي كانت تعتمد لتعريف سابقاتها. وبالإضافة إلى ضبابية دوافعها وغموض أهدافها، تميزت المظاهرات بعنف غير معتاد في بلد يمتلك تقاليد ديمقراطية لا داعي للتذكير بها. إذ تعرض مئات المتظاهرين وعشرات من رجال الشرطة إلى إصابات متفاوتة الخطورة، فضلا عن تسجيل ضحيتين في صفوف المحتجين.

ومن أسباب هذه الانحرافات قلة التنظيم وغياب التأطير. كما يعود أيضا لنزوع الحركة الاحتجاجية إلى مخالفة القانون بشكل صريح. ومن ذلك عدم طلب المتظاهرين لرخص التظاهر من أجهزة الأمن التي وجدت نفسها في حالة ارتباك لم تتعود عليها، أو عدم التزام المحتجين بمسار محدد ورف الانصياع لتعليمات السلطات في ما يتعلق بأماكن التظاهر. إذ أصروا مثلا على الدخول في مواجهة الشرطة لإرغامها على السماح لهم باجتياح شارع الإيليزا ومحاولتهم اقتحام مقر مجلس الشيوخ. وهي ممارسات لا تتلاءم مع سمعة فرنسا كبلد متطور وديمقراطي.

وقد شكلت ثنائية العنف والتبني الصريح لحق الخروج عن الأطر القانونية صدمة للمسؤولين في الدولة ولقادة الرأي في الإعلام، خاصة في ظل استمرار التعاطف الكبير الذي تحظى به السترات الصفراء لدى الرأي العام، والذي تجاوز السبعين بالمئة. فجاءت المواقف الرسمية مضطربة اضطراب الحركة الاحتجاجية نفسها. إذ كانت المطالبة بالصرامة وتطبيق القانون والدفاع عن مؤسسات الجمهورية محتشمة في مقابل تعاطف ضبابي يؤكد الاستماع لمطالب المحتجين دون تقديم أي تصور منسجم للخروج من الأزمة. وكأن السلطة والمعارضة قد اشتركتا في السعي لربح الوقت لقلة ذات اليد، بل وربما لعدم وضوح الرأي وصعوبة الفهم.

ولا ينبغي إزاحة هذا الاحتمال جانبا. إذ أنه يصعب فعلا فهم ظاهرة السترات الصفراء، ناهيك عن التفاعل معها إيجابيا. فقد تميزت هذه الحركة أولا بالغياب الكلي لمختلف أشكال القيادة الممثلة للمحتجين وطلباتهم، وثانيا بالتشتت البنيوي لشعارتها التي امتدت من المطالبة بإلغاء ما يسمى بضريبة الكاربون على المحروقات إلى الدعوة لإجراء استفتاء على رئيس الدولة إمانيال ماكرون مرورا بشعارات وطنية ومطلبية حمائية ودعوات للتغيير الدستوري. ولئن عبر إمانيال ماكرون عن تفهمه لمطالب المحتجين واستعداده للتفاوض معهم، فإنه كغيره من المسؤولين قد عجز عن إيجاد الخطاب المناسب لتهدئة الأوضاع وفشل في تعريف الجهات المخولة للحديث باسم الحركة. بل إن قادة الرأي لم ينجحوا في تقديم تحليل يفسر الظاهرة التي فاجأت الجميع بحجمها كما فاجأتهم بعنف وسائلها وتطرف شعاراتها.

وهي عناصر تثير الشك حول قدرة المؤسسات الفرنسية على التعاطي الناجع مع حركات أفقية تعتمد وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للتعبئة، ولكن أيضا كمنطلق احتجاجي جديد يهدف لتحييد كل النخب حزبية كانت أم نقابية أم إعلامية إم نابعة من المجتمع المدني. فكل المتظاهرين قادة منظمون للمظاهرات. وهذا جزء من المشكلة بما أن الديمقراطية الفرنسية قد تنظمت تاريخيا من أجل توفير الوسائط بين المجتمع والدولة. أي أن مختلف الحركات الاحتجاجية التي عاشتها الجمهورية الخامسة، قبل 1968 وبعدها، قد كانت لها تعبيرات حزبية أو نقابية تمثل الصوت الجماعي للاحتجاج. فتعبر عن المطالب وتقدم الاقتراحات. وهي إذ توفر بذلك القيادة التي يمكن للجهات الرسمية التفاوض معها، تتسبب في تقسيم الجماهير بين مساند لمواقفها ومعارض لها.

كما أن الحركات الاحتجاجية كانت تتمتع بالحد الأدنى من الانسجام، على الأقل في مستوى منطلقاتها المبدئية. وهو ما كان يمكّن قادة الرأي من تحيلها إبرازا لما لها وما عليها. وتلك سبيل من سبل تصور الحلول وتجاوز الأزمة. في حين أن ما يميز حركة السترات الصفراء اليوم نزوعها إلى سلبية تقترب من الإطلاق. فالمحتجين يشعرون بالغضب دون أن يعلموا الترياق الذي من شأنه تهدئة غلوائه. ولئن مثل هذا العامل عنصر ضعف بنيوي يؤكد أن ليس للسترات الصفراء أي مستقبل حقيقي في المشهد السياسي الفرنسي، فإنه يسمح على المدى القصير بإدماج كل قيم الاحتجاج بغض النظر عن تناقضها. فجاءت في شكل شعارات مرتجلة ومتشتتة أفقيا دون خيط ناظم يألف بينها. بل إن التناقض قد شمل خطاب الأفراد المشاركين أنفسهم. ومن المستغرب مثلا أن يؤكد الكثير من المتظاهرين تمسكهم بأولوية الدفاع عن البيئة وضرورة مكافحة التغيرات المناخية في نفس الوقت الذي ينددون فيه بإجراءات ضريبية تهدف تحديدا إلى الحد من استخدام المحروقات الملوثة. وإذا قارننا ما يجري اليوم بأحداث 1968 الشهيرة، فإن الفرق يكمن في أن الاحتجاجات الطلابية العارمة التي أحيت فرنسا هذه السنة ذكراها الخمسين قد كانت قائمة على قاعدة قيمية صلبة، عبرت عنها قيادات بدا إشعاعها واضحا منذ الوهلة الأولى، وتطور أبرزها كي يندمجوا في مختلف أشكال النخبة الفرنسية وحتى الأوربية.

ولئن عبر غياب القيادة عن الطبيعة الأفقية والما بعد حداثية لحركة السترات الصفراء، فإن التيه القيمي الذي صبغ خطابها إنما يعكس ثنائية عمق الأسباب وانعدام الحلول. وهي حلقة مفرغة كثيرا ما تجد فيها الحركات الشعبوية أرضا خصبة. وهو ما يفسر إجماع النخب الفرنسية على أن اليمين المتطرف سيكون القوة السياسية الوحيدة القادرة على جني ثمار ما تزرعه اليوم جماعات مشتتة لا أفق لها.

مشكل ولا حل: بين السياسي الوطني والاقتصادي المعولم

من المرجح أن تخبو حركة السترات الصفراء بسرعة. فما فيها من هشاشة بنيوية وقيمية يجعلها أقرب للفورة منها للثورة. كما أن المنظومة السياسية والاقتصادية الفرنسية من الصلابة بحيث لا يمكن أن تفزع من شعاع سترات صفراء حتى إذا كانت تعكس لهيب غضب دفين. ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للمنظومة الديمقراطية أن تتأقلم مع سياق جديد قد فقد هرميته التقليدية، فانساب أفقيا في جميع الاتجاهات، معتمدا في ذلك فردانية مهيمنة وتكنولوجيا مغيرة لقواعد اللعبة.

إن عجز فرنسا البين عن التعاطي الإيجابي مع الأسباب العميقة التي تقف وراء الاحتجاجات الحالية يعني أن مستقبل مؤسساتها قد يخفي هزات تؤكد الوهن المتزايد الذي أصاب الديمقراطيات العريقة خلال السنوات الأخيرة. فالفئات الاجتماعية الحاملة للاحتجاج الحالي تذكر بالخزّان الانتخابي الذي أوصل دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض في الولايات المتحدة والذي مكن أنصار الانفصال عن الاتحاد الأوربي من الانتصار في استفتاء الخروج في بريطانيا والذي مكن الحركات الشعبوية يممينا ويسارا من الوصول إلى السلطة في إيطاليا. ولئن كان عرض هذه الأمثلة يأتي للذكر لا للحصر، فإن ما يجمع بينها والظروف الفرنسية الحالية هو الإحباط الذي انتشر في أوساطها الشعبية، وخاصة في صفوف طبقاتها الوسطى الهشة التي فقدت جزئا كبيرا من إمكاناتها المادية والمعنوية، فتراجع عندها الإيمان بالغد الأفضل. وقد أدى خوف أفرادها من تواصل انحدار مكانتهم الاجتماعية إلى ردات فعل ضد كل من يرون فيه تهديدا لمصالحهم، وعلى رأسهم الأجانب الذين يعتبرون كبش الفداء المثالي لخطاب يقوم على التبسيط في معالجة منظومة شديدة التعقيد.

لقد انطلقت احتجاجات السترات الصفراء من الأطراف، في المناطق الريفية والمدن الصغرى وبعض الضواحي الفقيرة حول المدن الفرنسية. وهو ما يؤكد الازدواجية الاجتماعية التي أصبحت تعاني منها البلدان المتطورة. إذ تنقسم عموما إلى شقين يمثل كل واحد منهما عالما مجاورا للآخر ومنفصلا عنه تريبا. فالمدن الكبرى المنفتحة على العولمة تعيش ازدهارا وحركية متواصلة. فهي تستقطب أهم الأنشطة الاقتصادية وأبرز الكفاءات والمواهب، وتحقق أعلى درجات النمو وتتمتع بأرقى درجات التنمية والتطور. أما الأطراف، فإنها تشعر بأنها تنحدر إلى مستوى الهوامش المعزولة. إذ فقدت تدريجيا أغلب المشاريع الصناعية الكبرى وجل الأنشطة الاقتصادية التي كانت تمثل شريان الحياة الاقتصادية فيها. أما الأرياف، فلم يعد أكثرها يوفر أي فرص للتشغيل بحكم التطور التقني الذي يكاد يقضي على العمل الفلاحي. بل إن جزئا منها أصبح يعيش على السياحة مرتهنا بذلك لقطاع متقلب ومرتبط بالحالة الاقتصادية للطبقة الوسطى.

وبالتالي، تكون معضلة المجتمعات المتطورة اليوم انقسامها بين فئات مستفيدة من العولمة لأنها تملك الإمكانات المادية والمعنوية والمهنية لرفع تحدياتها، وفئات متضررة من المنظومة الاقتصادية الجديدة التي أفقدتها آفاق الاندماج الاقتصادي ووسائل الارتقاء الاجتماعي. فهي في منافسة غير متكافئة مع طبقات عمالية ذات قدرات ديمغرافية مهولة، خاصة في البلدان الآسياوية كالصين والهند. أي أن المشاكل الاجتماعية التي تظهر محليا أو وطنيا في أي بلد تقريبا لم تعد قابلة للحل عبر السبل السياسية والاقتصادية التقليدية، من قبيل إعادة توزيع الثروة. ذلك أن جانبا كبيرا من أسبابها مرتبط بالتفاوت الصارخ بين وسائل سياسية مقيدة جغرافيا ومؤسساتيا في مقابل منظومة اقتصادية معولمة، تنزع عناصرها الأساسية للإفلات من قيود الجغرافية وضوابط المؤسسات.

ولقد انعكس هذا الاختلال بشكل واضح على الظروف الاجتماعية لمخلف البلدان. ولكن التعبير عنها مختلف وحدته متفاوتة حسب البلدان. فالمنظومات السلطوية أنجع في استيعاب الغضب من خلال منع التعبير عنه أو بتوجيهه شعوبيا شطر العدو الخارجي، كما يفعل بوتين في روسيا. وهي حلول لا تتلاءم مع الديمقراطيات التي لا تستوعب فيئاتها الشعبية عجز مؤسساتها وسياسييها المنتخبين عن تمثيل مصالحهم والدفاع عنها.

لقد قالها محتجو السترات الصفراء حين أعلنوا أن كل النخب لا تمثلهم. وأكدتها الأحزاب السياسية الفرنسية بمختلف ألوانها، خاصة بين صفوف المعارضة التقليدية،  بفشلها في تزعم الاحتجاجات، ثم اضطرارها للتمايز عنها بعد انحرافها إلى العنف ومخالفة القانون. وحتى النقابات التي لعبت تاريخيا دور تمثيل الطبقات الشعبية لدى دوائر السلطة، فإنها وجدت صعوبات بالغة في إيجاد الانسجام وسط فوضى شعارات السترات الصفراء. فلم تقدر على الاضطلاع بدورها كوسيط تفاوضي. أي أن مختلف عناصر النخب الفرنسية قد وجدت نفسها مضطرة للاكتفاء بالتعبير عن التعاطف والدعوة للتعقل والانحناء حتى مرور العاصفة.

خاتمة:

من المرجح أن يخفت لهب الغضب المنعكس على السترات الصفراء، وهي التي فرضتها السلطات على سائقي السيارات كوسيلة لإظهارهم على الطرقات عند اضطرارهم لمغادرة عرباتهم بعد الحوادث أو في حالة العطب. ولكن هذه الحكمة السياسية قصيرة النظر، أو لعلها تعبر عن عجز حقيقي عن تغيير الأوضاع. فكل النخب تعلم أنها إيزاء تحد يواجه الديمقراطية نفسها إن هي لم تستطع أن تتأقلم مع أشكال الاحتجاج الجديدة المعتمدة على وسائل التواصل الاجتماعي بمعزل عن المؤسسات التمثيلية. أما الوسائط التفاوضية التقليدية، فإنها عاجزة على توفير إطار ناجع للتفاعل في ظل تشظي المطلبية التي لا يجمع بين عناصرها إلا غضب لا يعلم حتى أصحابه ما الماء الذي يطفئه.



 


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv