Friday, November 16, 2018
1:40 PM
   
 
مقالات
 
الهلال الخصيب وقطار الشرق السريع!
  الثلاثاء 06 نوفمبر, 2018  
   


 



 



 


في عالم محاط بالجنون والصخب المتزايد نرى ان أوروبا وهي الضلع الأساسي في تكوين النظام العالمي الجديد قد تخلوا عن الشكل الطبيعي في الحروب فيما بينهم وقد قرروا ان يقوموا باستقلال قطار الشرق السريع!


هذا القطار الذي كانت بدايته في 1883 كان يسعى بربط أوروبا بالشرق بداية من باريس وحتي إسطنبول ولم يكن الأمر بحاجة الى عبقرية فريدة من نوعها حتي نفهم ان هذا القطار كان تمهيداً لظهور عصر الاحتلال وانه لم يكن إلا وسيلة سريعة للاستكشاف العام لموارد الشرق التي بات الجميع يتحدث حولها،


ومنذ بداية الفكر الإمبريالي العالمي ولدت حتمية دخول الاتراك داخل هذا بحكم تاريخهم الحافل بمثل هذه الأنواع من فكر الغزوات ومنذ سقوط سلطان عصر التفكك السلطان عبد الحميد الثاني لم تكن المنطقة تدرك ان تفكيك سلطنة بهذا الحجم حتى وان كانت قد شاخت وضعفت قوتها،


انه تمهيد لتفكيك أعظم باتت ملامحه تلوح في الأفق عبر اتفاقية سايكس بيكو الأولي والتي عقد في مايو من العام 1916 بين فرنسا وبريطانيا والتي كانت مباحثات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس والذي لم يذكر معلومات كافية حول ماهيته داخل المملكة حيث حصلت الاتفاقية بالمصادقة مع الإمبراطورية الروسية القيصرية آنذاك،


والتي كانت تنص علي تقسيم ما يعرف بمنطقة "الهلال الخصيب" والتي تم تقسيمها بداية من العراق وحتي البحر الأحمر ولم يكن في الامر أي تلميح حول مصر ذلك لأنها الجائزة الكبرى!


وهو المصطلح الذي اطلقه عالم الاثار الامريكي جيمس هنري برستد، نعم إنه عالم المصريات الذي ألف كتاب فجر الضمير الذي اثبت فيه بالأدلة العلمية ان الحضارة المصرية هي مهد الحضارات وكنت اظن في السابق انه بحث لولعه بالأثار المصرية وعمقها ولكن الحقيقة هي انه كان يدرس لأنه احد الاباء المؤسسين لنظرية التقسيم الجغرافي للمنطقة بأكملها حسب ما تمتلكه من موارد...


انها أبواب من نيران الجحيم المشتعلة والمؤامرات الممتدة حول الشرق الأوسط التي تضرب جذورها عمق التاريخ والتي لن يغلق أبوابها الا ما شاء الله فما كانت أولى نتائجها إلا فلسطين فهي بحكم القانون الدولي بعد تفكيك السلطنة العثمانية ليس لها صاحب بحكم انها من كانت المسيطرة،


فإذا ما باتت دولة أخرى وكان في الغزو والانتصار محققة بها فرض لغة وسياسيات الامر الواقع تكون عملية الانتقال والتسليم والتسلم يسيرة للغاية فكانت فلسطين "ظاهرياً" صفقة قوية للغاية مقابل البنسيلين المستخدم في صنع القنابل والذي أكتشفه الكيميائي الصهيوني المعروف حاييم وايزمن ولكنه باطنيا كان المراد من زرع إسرائيل في هذه المنطقة تحديدا هو الانتقال إلى مرحلة أخرى وهو فصل نهائي بين قطبي العالم العربي واتصالاته ودق أولى الدعامات في نعش التقابل المتبادل بيننا،


فنحن في نظرهم دول غنية ذات حضارة لدينا ثلاث أرباع كميات الموارد يحتاجها العالم أجمع ونحن يربطنا لغة واحدة وأديان واحدة نعبد إله واحد وعمق هوية تاريخية واحده وهذه الأسباب وجهية كي نكون اكثر قربا بات هذا وشيكا عقب انهيار السلطنة ولكن سرعان ما خرج الأسد البريطاني بمليء هذه الفجوة بنظرية استعمارية بحت


ومنذ ذلك الحين وحتي انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس بعض الركائز داخل الدول التي تمتلك قدراً كبيرا من البترول هنا بدأ الحلم بالإدارة وملئ الفجوة ما بعد خروج البريطانيين من الشرق،


لقد كان كل شيء علي ما يرام وكانت كافة الخطط وقواعدها الرئيسية ثابتة للانطلاق الي المرحلة التالية للتقسيم المباشر والإدارة المباشرة وليس بالنيابة أو الوكالة عن النظام العالمي الجديد ولكن الجائزة الكبرى كانت علي الموعد بقدر غير محسوب وغير اعتيادي كانت ثورة الثالث والعشرون من يوليو عام 1952 اختلفنا او اتفقنا حولها وتبعاتها بمثابة رسالة شديدة اللهجة أرسلها القدر للتاريخ فلب للموازين فهي من اعادة الحروف إلى مواضعها ووضعت مصر علي دورها الريادي التاريخي وإعلان مباشر ببداية الكفاح وبعد تحقيق نظرية القوة الجبرية في أكتوبر 1973 كانت لابد من وع بعض التغييرات التي تناسب الأوضاع الجديدة والنظريات الجديدة التي وضعت حسب ما فرضته الإرادة المصرية واللعب بأسلوب أكثر عمقا وقد كانت ركائزه مثبته قديما في ملف تم حفظه مؤقتاً قبلها بأكثر من خمسون عاما وهو اللعب علي إفساد الامتيازات التي تمتاز بها المنطقة وأولها الدين


الإسلام مادة خصبة متجددة لابد من تغييره وهذا ما أشار اليه السيد جيمس ويسلي رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكي الأسبق قائلا "كان علينا ان نصنع إسلام يناسبنا" فكان من اللازم التغيير والعودة إلى الخلف عدت خطوات وكانت البداية في بعض التغيير الى ما يناسب حيث كانت ايران علي موعد مع الثورة في الفترة بين الخامس والعشرون من يناير عام 1978 وحتى فبراير من العام اللاحق 1979 بقيادة أية الله الخامنئي العائد من فرنسا "الدولة الأولى الموقعة علي اتفاقية سايكس بيكو" !


بينما كانت إسطنبول كانت علي وشك ان تكون فعليا كما كانت المحطة الأخيرة لقطار الشرق السريع تم التمهيد حتى العام اللاحق وتحديداً في الثاني عشر من سبتمبر عام 1980 حيث كانت علي الموعد مع ذلك الانقلاب الذي تزعمه الجنرال كنعان ايفرين مع مجموعة من الضباط الاتراك،


والذين كانوا ينتمون الي الفكر الاتاتوركي الشمولي حيث ان اعتقادهم الراسخ بأن سبب تدهور الامبراطورية العثمانية واندحارها عسكرياً كان سببه  الارتباط بالأقطار العربية والإسلامية، والتي تم تدعيمها بقوة من الولايات المتحدة حتي أصدرت الخارجية الامريكية حينها تصريح قائلة علناً "أولادنا  قد نجحوا فيها" بكل وضوح!


ولا يحتاج الامر إلي عبقرية محللين افذاذ حتي نفهم انهم قد استوعبوا الدرس الذي أطلقه لويس التاسع قديما جيداً انه حينما تفكر بالمنطقة فعليك بالجائزة الكبرى!


وانه المستهدف من هذا التغيير ان تنشب النزاعات داخل المنطقة وان يتم أتساع محاور الصراع وإدراج الإيرانيين والأتراك الذي لم يكن لديهم أي ارتباط تاريخي عربي علي الاطلاق في التصنيف تحت مسمى الشرق وان يتم تجهيزهم فعليا لما بعدها من مراحل هامة وهو نشوب الصراع المذهبي،


والهدف هو التفكيك السلس وكانت لأول مرة بعد ألفي عام يتم استخدام نظرية رمسيس الثاني في الحرب علي أرض الخصم بتطويرها الحديث وكانت ولازالت الدولة التركية تلعب دور الوسيط في أي صفقة يتم عقدها أملة ان تفوز بالتنافس الدائر حولها مع ايران بإدارة الهلال الخصيب بالوكالة عن القوى الاستعمارية الكبرى،


بكل وضح يتم استخدام قطار الشرق بشكل جديد بالتلاعب في أحلام بعض القادة سواء في استعادة امجاد فارس أو بطولات العثمانيين او استحداث دول من العدم حتي تتفرق الكتلة الواحدة إلي مئات من الكتل تحت إدارة مستعمر واحد لا يريد سوى استنزاف موارد المنطقة وتعجيزها حتي يقوم بالهيمنة،


وفي النهاية اقتتال عربي يشترك "الخليج" خصب الخصيب بحكم مواردها بشكل مباشر فيه عبر تمويله بكل وضوح الحرب في سوريا واليمن والعراق "وهي أهم المناطق التي أشار لها السيد برستد عبر مصطلح الهلال الخصيب" وهي محور رئيسي في اتفاقيات سايكس بيكو الأولي والثانية بعد التعديل"، ناهينا عن تمويل التيار الإسلامي في مصر منذ عقود بشكل مستتر حتي يتم استمرار ضخ الخلافات بين النسيج الوطني،


حتى يأتنا اليوم الذي يقول فيه احدى قادة الجيوش الخليجية انهم وإسرائيل كالأشقاء وان الولايات المتحدة هي الشقيق الأكبر الذي يقوم بالتوافقات إذا ما حدثت اختلافات في وجهات النظر! كل هذه حقائق كوضوح الشمس


كل هذا الجنون والصخب المتزايد علي الكوكب يزيدنا احساساً بأن التريليونات تنفق بشكل مستمر لصنع الازمات الداخلية للدول التي تنفقها نحن نمول بأيدينا الفزاعة التي تخيفنا نشارك بشكل أساسي في المؤامرات والألعاب التي تحاك ضدنا ظنا منا باننا حينما نكون مع الطرف الأقوى في المعادلة يقينا شره ونحصل منه علي المكاسب، تلك المكاسب التي نستطيع ببساطة صنعها حينما نتوحد بالعرق والمجهود والأمانة والإخلاص،


سنحصل عليها اذا كنا ولو لمرة رجال وليس أشباه رجال ولينتبه الجميع الأن وبشدة من الأحلام الزائفة ووسطاء بحور الدماء، فالمحطة القادمة ليست إيران بل إسطنبول وهي النهاية لرحلتنا داخل قطار الشرق السريع!

إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv