Friday, November 16, 2018
1:24 PM
   
 
مختارات
 
أقباط مصر ليسوا أقلية وإنما جزء من الكتلة الحضارية للشعب المصرى
  الإثنين 15 أكتوبر, 2018  
   


مقال محمد حسنين هيكل بتاريخ 22 ابريل 1994

عزيزى الأستاذ جمال بدوى...

إنك تفضلت وسألتنى عندما التقينا أخر مرة عما إذا كنت سوف أشترك فى مؤتمر عن حقوق الأقليات فى الوطن العربى والشرق الأوسط يقام فى القاهرة أواسط الشهر القادم، وأجبتك بالنفى.. وأبديت استغرابك لأنك رأيت اسمى مطبوعاً ضمن قائمة المشاركين فى هذا المؤتمر. وحين قلت لك إننى مثلك استغربت قراءة المشاركين مرفقة ببطاقة دعوة، كان تعليقك أن حالى أفضل من حالك، فأنا على الأقل تلقيت قائمة وتلقيت بطاقة، وأما أنت فقد اكتشفت أنك مشارك دون أن يبعث إليك أحد بقائمة أو ببطاقة!

ولقد اتفقنا بسرعة على أن زحام المؤتمرات فى القاهرة، واللقاءات والندوات - ظاهرة صحية، لكنها قد تكون أصح إذا ما جرى الالتزام بأصول وقواعد جديرة بأن تراعى، وبينها المعرفة المسبقة بموضوع البحث - ما هو؟ وبالداعين إليه - من هم؟ وبالمستفيد النهائى من الجهد المبذول- ماذا يطلب؟

إن حلقات الفكر المنظم ليست فيض فيلسوف أو تجليات صوفى، وإنما هى جهد مركز مكثف لاستخلاص وانتزاع آراء واجتهادات تدخل أغلب الأحيان فى تشكيل مواقف وسياسات. ومن هنا فإن الشفافية إلى أقصى درجة تصبح من حق الناس إذا كان مطلوبا منهم أن يقولوا وأن يشرحوا.

وتذكر أننا حين عرضنا بسرعة لمؤتمر حقوق الأقليات فى الوطن العربى والشرق الأوسط رأينا أمره ثم رجّحنا حسن نية القائمين عليه، لكننا اتفقنا أيضا على أن حسن النية قد يشفع للخطأ ولكن يبقى التصحيح واجباً!

ولقد استوقفك واستوقفنى أحد البنود التى وردت فى جدول أعمال المؤتمر عن حقوق الأقليات فى الوطن العربى والشرق الأوسط وكان ترتيبه كما يلى:

1- أقليات العراق. "الأكراد" مثلاً.

2- أقليات المغرب العربى. "البربر" مثلاً.

3- أقليات عرب إسرائيل. "الدروز" مثلاً.

4- أقليات السودان. "المسيحيون فى الجنوب مثلاً".

ثم جاء البند السادس فى هذا الجدول، فإذا هو:

6- أقباط مصر.

كان ذلك ما استوقفنى لأن أقباط مصر ليسوا أقلية ضمن أقليات العالم العربى والشرق الأوسط لا بالمعنى العرقى مثلاً الأكراد فى العراق، والبربر فى المغرب العربى، ولا بالمعنى الطائفى مثل الدروز أو الأرمن فى إسرائيل أو لبنان ولا بالمعنى الدينى وحده وتماسك الكتلة الحضارية للشعب المصرى. ولعل تماسك هذه الكتلة الحضارية هو القصد المقصود فى التعبير المأثور عن اللورد كرومر المعتمد البريطانى فى مطالع هذا القرن، وهو صاحب سياسة "فرّق تسد"، الذى لم يتمالك نفسه عند انتهاء خدمته وسفره معزولاً - من أن يقول: "لم أجد فارقاً بين مسلم وقبطى فى مصر غير أن أحدهما يصلى فى مسجد والثانى يصلى فى كنيسة".

ثم يجئ بعضنا عند مداخل القرن الحادى والعشرين ليرسم خطاً فاصلاً يراجع وراءه مائة عام... مئات الأعوام!

دعنى أيها الصديق الكريم - أطرح عليك هواجسى:

أولاً: لابد أن أعترف لك - وهذه نقطة أولية - أن بى قلقاً شديداً من كثرة المبالغ المرصودة لأغراض البحوث الاجتماعية والسياسية فى مصر. فهذه المبالغ تزيد سنوياً على مائة مليون دولار - معظمها تقدمه هيئات أجنبية - والمشكلة أننا لا نعرف يقينا من الممولون. فنحن نقرأ أسماء هيئات دولية لكن الأسماء كما تعلمنا التجارب لا تدل بالضرورة على المسميات، ثم إننا لا نعرف أين تبدأ المقاصد، ولا نعرف أين تنتهى النتائج، وما نراه هو مجموعات فرق بحث تمسح البلاد بالطول والعرض والعمق، ثم تطالعنا أوراق لا تبدو مساوية للجهد، ثم تنزل أستار النسيان تدريجياً على كل شئ.. البحث والباحثون والأوراق المكتوبة، كأنه زر نور لمسه إصبع فاتقد ثم لمسه ثانية فانطفأ.

ولكى أكون منصفا فلا بد أن أضيف أن هناك بحوثاً تبدو أمامنا واضحة فى مبتدئها وخبرها - فى ظاهرها وباطنها - ومن ذلك مثلا هذه الدراسات الواضحة ظاهراً وباطناً مجرد جزء محدود، فى حين أن غير المحدود هو الباقى.

واثق أنه لا أنت، ولا أنا ضد الحقيقة نتقصاها وندرسها، لكنى لا أظنك ولا أظننى من أنصار العرى الكامل لمجتمعنا أمام عيون لا نعرف نحن يقينا ما الذى تبحث عنه وتفتش عليه.

ثانياً: ونعرف معاً أننا فى عصر اشتهر بوصف عصر المعلومات، وهو وصف صحيح، والصحيح أيضا أن وسيلة الفعل السائدة فى أى عصر تؤثر على كل ما فيه -على الزراعة والصناعة والمواصلات والحرب.. إلى آخره - كذلك فعل مثلاً عصر البخار وعصر الكهرباء وعصر الإلكترونيات. وليس صعبا أن نتصور تأثير عصر المعلومات فى الأمن - من الهجوم إلى الدفاع. وليس صعباً أن نتصور أن المعلومات أصبحت أهم أسلحة الاختراق، ومع التسليم بأننا فى عصر تستطيع وسائله أن ترى كل شىء، فلست واثقاً أنه من حقنا أن نترك من يشاء يفتح العقول والقلوب ويطل على ما فيها. ونحن نعلم بالطبع أن من يشاء يستطيع بوسائله أن يستكشف السطح وأن يلتقط ما يريد من صور لتضاريسه ومشاهد الحركة على هذه التضاريس - لكن استكشاف العقول والقلوب لا يمكن أن يتم إلا برضانا - أى إذا أتحنا للآخرين فرصة الغوص فى دخائلنا ومكنونات صدورنا.

و من حقنا نحن أن نعرف كل شىء. وفى نفس الوقت فمن المؤكد أننا لا نستطيع - ولا يجب - أن نحجب عن الآخرين كل شىء. ولكن القضية أن المعرفة المتاحة لا بد أن يداخلها عنصر من الحساب، وإلا فإن الفارق بين المعرفة والاستباحة يتلاشى ويضيع، وفى ذلك خطر. وربما سمحت لنفسى أن أقول لك أننى اطلعت على دراسة قام بها مركز أبحاث إسرائيلى عن حزام الفقر المحيط بالقاهرة، وكان التركيز على معسكرات قوات الأمن المركزى وغيرها من القوات النظامية الواقعة داخل هذا الحزام!

ثالثاً: وقد أؤكد لك مرة أخرى أننى لست من أنصار نظرية المؤامرة فى تفسير الحوادث وتأويل شواهدها، وقد أكون من مدرسة ترى أن "التاريخ ليس مؤامرة، ولكن المؤامرة قد توجد فى التاريخ"، بمعنى أن حركة التاريخ تصنعها قوى اقتصادية واجتماعية وعلمية وفكرية يؤدى تلاقيها وتصادمها وتفاعلها الطبيعى دور المحرك والدافع والموجه. لكننا نعرف من استقراء الماضى أن هناك مقاصد وخططاً تتمنى أحياناً لو استطاعت أن تعترض الحركة الطبيعية حتى ضد قوانينها، وهذا مفهوم، ولعله مشروع، فى صراعات الحياة.

وإذا تذكرنا، ويجب أن نتذكر دواما، أن الحاضر هو نقطة يلتقى فيها الماضى بالمستقبل - إذن لأمكننا أن نتصور أن هذا البلد مستهدف لموقعه وموضعه - على حد تعبير جمال حمدان.

ونحن نرى كيف تجرى الحرب على هذا البلد، اقتصادية وسياسية ونفسية، وعسكرية عند اللزوم. كذلك نرى عملية حصره وحصاره بقصد تصفية دوره وحجب تأثيره فى واحدة من أهم مناطق العالم. وإذا كان ذلك صحيحا، وأحسب أنه صحيح - إذن فإن قدراً من الحيطة واليقظة لازم وضرورى.

رابعاً: ولا أعتقد انك تختلف معى، أو أننى أختلف معك، على حقيقة أن سلامة الكتلة الوطنية لهذا البلد هو أولى ضمانات أمنه وقوته.

بمعنى أنه قد يتأثر اقتصادنا فنعوض.

وقد تنحرف توجهاتنا السياسية فنصحح.

وقد تختلط علينا الأفكار فنعود للصواب فى يوم من الأيام، لكنه إذا تأثرت الكتلة الوطنية لهذا البلد بخط أو حاجز أو شرخ - لا سمح الله - فان العواقب فوق الطاقة.

وكان هذا الوطن قادرا باستمرار على سبك كتلته الوطنية، وبها واجه تاريخه وكل ما فعله به ذلك التاريخ وأنت عالم به ذاكر له باستمرار، وأمامك وأمامى أسفار دوّنها واحد بعد واحد من مؤرخى مصر الكبار سجلوا خصوصية هذا الشعب الذى كان فريدا فى قبوله لمطلقين دينيين فى نفس الوقت بفضل عملية السبك المتقنة التى جادت بها عبقرية المكان - والتعبير أيضا لجمال حمدان أمامك كتابات ابن الحكم والمقريزى وابن إياس لترى كيف استطاع شيوخ الأزهر وبطاركة الكرازة المرقسية أن ينجزوا مهمتهم النبيلة فى الحفاظ على الكتلة الوطنية للشعب المصرى خلال قرون مزدحمة بالطامعين والغزاة، وبرغم هؤلاء الطامعين والغزاة جميعاً فإن المسيرة النبيلة قطعت المسافة من "عهد الذمة" إلى "عهد المواطنة" بنجاح عز مثيله فى أوطان أخرى.

وتذكر وأذكر دور أحمد عرابى فى مواجهة الغزو البريطانى ووراءه شيوخ الأزهر وبطاركة الكنيسة القبطية، ثم دور سعد زغلول فى تمتين كتلة تلك السبيكة الوطنية الصلبة فى مناخ الثورة الاجتماعية 1952.

مثل قوة المواقف تسندها الجيوش والثورات - كانت قوة الكلمات حين تختزل فى حروفها خلاصة حياة الأمم وفهمها لعبر الزمان وتذكر وأذكر كلمة مكرم عبيد "إننى مسلم وطناً قبطى ديناً" - حين سرت فى الداخل بعض النعرات هنا وهناك!

وتذكر وأذكر كلمة القس سرجيوس "فليمت كل قبطى فى هذا البلد ولكن لتحيا مصر" - حين شاء الاستعمار البريطانى أن يستبقى فى يده ادعاء المسئولية عن حماية الأقليات!

خامساً: وتدرك وأدرك أننا فى عصر تجرى فيه ممارسة السياسة بالانطباع بديلاً عن السياسة بالاقتناع، كما يحدث فى علم التسويق، بمعنى انه يجرى الترويج لسلعة قد لا يحتاجها الناس، ولكن الإلحاح عليها يتكرر ويتكرر تطبيقاً لقاعدة فى فنون الإعلان تقول إن "نقطة الماء إذا نزلت، وباستمرار، على نفس البقعة من كتلة الحجر فأنها قادرة فى يوم من الأيام أن تفلقها". وهكذا فإنه بالإلحاح والتكرار تصبح السلعة الكمالية ضرورة تكاد تستحيل الحياة بغيرها.

ومثل هذا يصنعه عصر الاتصالات فى الحياة السياسية والاجتماعية للأمم والشعوب.

خط وهمى فى البداية. ثم يزداد الإلحاح ويسقط الخط الوهمى على الأرض، ويشتد الضغط، وإذا الخط الذى وقع على الأرض يتحول إلى رسم، ثم إذا الرسم يتحول إلى شرخ يظهر فى البداية مثل شعرة، ثم يجرى تعميقه إلى فلق، وإلى كسر.

واليوم نبدأ بادعاء إلى مقولة وتتحول المقولة إلى قضية، وتتحول القضية إلى مشكلة، وتتحول المشكلة إلى نزاع.

ونكتشف أنه حتى الأوهام يمكن لها أن تكتسب قدرة التجسد، كما أن الظلال فى بعض الأحيان تتجسم. والخريطة السياسية للعالم الثالث أمامك تغنينا عن التفاصيل لكى لا يكون من النماذج ما يوحى تعسفا بالتشابه.

سادساً: وقد تسترجع وأسترجع ما سمعناه فى مرحلة علت فيها الأصوات بحديث النظام العالمى الجديد، الذى قيل بقدرته على أن يفرض على الآخرين أحكامه، وأن يحدد لنفسه وينتزع ويمارس اختصاصاته، وبينها اختصاص يبيح حق التدخل لحماية الأقليات. والتدخل يبدأ من إملاء الشروط السياسية إلى استخدام القوة المسلحة.

ولقد وردت نصوص من هذا الاختصاص فى بيانات صادرة عن الأمم المتحدة ولم تكن هذه النصوص صادرة عن خبراء المنظمة الدولية المكلفة بحماية القانون الدولى فى صورته الأكمل فى هذا العالم ولا تأبه له، وإنما تبحث وتأبه لمصالحها ومطالبها الاستراتيجية، وتنقب عن ثقب إبرة تستطيع أن تنفذ منه إلى ما ترغب فيه وتقصده.

هذه هواجسى أطرحها عليك.

بعد تردد أريد أن أضيف نقطة أخرى فأقول لك أنه أدهشنى أن يشار إلى افتتاحية لهذا المؤتمر عن حقوق الأقليات - باسم الدكتور بطرس غالى الأمين العام للأمم المتحدة.

لعلى لا أخفى عليك أننى شخصياً سعدت لانتخاب بطرس غالى أمينا عاما للأمم المتحدة لعدة أسباب، أولها وأهمها أنه مصرى قبطى. أقر أمامك أننى فى البداية لم أكن متحمساً لترشيحه، وكان ميلى أقرب إلى واحد من منافسيه فى ذلك الوقت وهو الأمير "صدر الدين أغاخان" عن اعتقاد أيامها بأنه الأكثر شباباً والأوفر خبرة بأعمال الأمم المتحدة، ثم عن تصور بأن المنظمة الدولية فى ظروف دولية متغيرة تحتاج إلى شخصية قادرة على الاستقلال قدر ما هو ممكن. شخصية يحتاجها المنصب ولا تحتاج هى إليه.

وربما لا أجاوز إذا قلت لك إننى صارحت الدكتور بطرس غالى برأيى مبكراً جداً، وكان قوله لى - ونحن زملاء لثمانية عشر عاماً فى الأهرام - أنه لم يكن يفكر فى الترشيح ولا خطر على باله، ولكن حدث أنه كان يحضر اجتماعاً وزارياً أفريقيا فى زائير خصص لاختيار خمسة مرشحين للمنصب عن أفريقيا حتى تعرض أسماؤهم على مجلس الأمن فيختار منهم واحداً يقدم اسمه للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد تم اختيار الأسماء الخمسة فعلاً، ثم فوجئ بطرس غالى - وطبق روايته - بالرئيس موبوتو رئيس زائير يشير إليه من طرف المائدة يستدعيه، فلما وصل إليه همس موبوتو فى أذنه: "بطرس... ألا تفكر فى إضافة اسمك للقائمة؟".

ولم يملك بطرس غير أن يطلب فرصة للرجوع إلى القاهرة يستأذن فيما عرض عليه.

وأتذكر أننى بعد أن سمعت تلك التفاصيل من بطرس غالى قلت له "ألا ينبغى لك أن تتشاور مع صدر الدين أغاخان؟". وقال بطرس غالى: "فعلت. اتصلت به تليفونياً. سألته هل أنت مرشح؟ ورد على بأنه لن يرشح نفسه، وإنما هو على استعداد لقبول ترشيح نفسه فى حالة أن تطلبه الدول الأعضاء فى مجلس الأمن".

وقتها، وقد وجدت أن صدر الدين أغاخان لن يحصل على ما يريد إذا كان ينتظر وصوله إليه على طبق فضة، انتقلت بحماستى إلى ترشيح بطرس غالى، وبعض هذه الحماسة كما قلت كان راجعاً إلى أنه مصرى قبطى.

وبينى وبينك أقول أن بعض الدوافع إلى تلك الحماسة ظن ساورنى بأن الرجل، فى إطار مجمل السياسات التى اعتمدت فى مصر منذ زيارة القدس سنة 1977 - كان يستحق أن يكون وزيراً للخارجية المصرية، وكان شعورى أن الذى حجب عنه هذه الفرصة مجموعة حساسيات كنت أستطيع تفهم بواعثها، وأن أدركت فى نفس الوقت قسوتها على الرجل. وحين واتته الظروف وفاز بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة فقد أحسست أن فى ذلك تعويضاً عادلاً للإنسان والمواطن فيه، بصرف النظر عن خلاف مع توجهاته السياسية والفكرية، وهو خلاف لم يكن سراً عليه طوال ثمانية عشر عاماً طالت إليها زمالتنا فى الأهرام.



وأشعر من بعيد أن بطرس غالى يتصور أن فى مصر معارضة لسياسته، أو ما يقال عن سياسته فى البوسنة وفى غيرها، وأن الداعى الرئيسى لهذه المعارضة أنه قبطى، بل وقد قال بنفسه شيئاً من ذلك وكرره فى حديث تليفزيونى مع صديقنا اللامع مفيد فوزى، وكان بطرس غالى فى ذلك على خطأ، فقبطيته موضع فخار لكل وطنى مصرى. ثم إن نقد سياسته فى البوسنة وغيرها لم يقتصر على مصر، بل لعل نقد هذه السياسة كان أعلى وأقسى فى غير مصر، وبالتحديد فى كثير من بلدان أوروبا، وحتى أمريكا ذاتها. ولعلى أضيف أنه فى تقديرى مظلوم فيما وجه إليه. ينسى الناس أن الأمين العام للأمم المتحدة له سيد مطاع هو مجلس الأمن، كما أن مجلس الأمن له بدوره قائد لا يعصى حتى هذه اللحظة على الأقل هو الولايات المتحدة الأمريكية.

يضاف إلى ذلك أن العصر لم يعد هو ذلك العصر الذى يقف فيه رجل مثل داج همرشولد الأمين العام للأمم المتحدة وقت أزمة السويس 1956 يقدم استقالته قائلاً لمجلس الأمن وجهاً لوجه "إنه لا يستطيع أن يقبل على ضميره أن يكون أميناً عاماً للأمم المتحدة فى وقت تخالف فيه اثنتان من الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن - نصوص وروح ميثاق الأمم المتحدة".

ولست أعرف ما الذى دعا بطرس غالى إلى أن يسمح لاسمه بالتداول مع مؤتمر لحقوق الأقليات فى الوطن العربى والشرق الأوسط، ولعل دافعه كان أن هذا المؤتمر متصل بإعلان من الأمم المتحدة عن حقوق الأقليات فى هذه المنطقة.

لكن السؤال: هل كان بطرس غالى يعرف أن أقباط مصر جرى تصنيفهم أقلية ضمن هذه الأقليات؟

أكاد أقطع بأنه لم يعرف شيئاً عن التفاصيل، وإنما اقتصرت معرفته على الخطوط العامة وحدها.



ثم أقول لك فى النهاية أننى لست ضد انعقاد مؤتمر لحقوق الأقليات فى العالم العربى والشرق الأوسط، ولكن أقباط مصر خارج هذا الإطار.

أقباط مصر ومسلموها - شأنهم شأن كل البشر فى هذا العالم الثالث - مثقلون مرهقون بمشاكل لا أول لها ولا آخر، وهم - شأنهم شأن غيرهم من البشر - يبحثون عن حلول لهذه المشاكل، لكن بحثهم فى شئونهم وشئون مصر يجىء فى إطار حق المواطنة، وليس فى إطار حماية الأقلية.

وإلا كنا كمن يلعب الكرة، بقنبلة!

حكاية رسالة.. وبغير تعليق!

هذه الرسالة إلى رئيس تحرير جريدة الوفد لها قصة تستحق أن تروى فى حد ذاتها دون حاجة إلى تعليق من أحد!

مجمل وقائعها على النحو التالى:

1- مساء يوم الجمعة 15 أبريل، وأثناء عشاء أقيم حفاوة بالدكتور على الدين هلال فى مناسبة اختياره عميداً لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية لجامعة القاهرة، دار حوار حول مؤتمر دُعى إليه فى القاهرة وموضوعه "حقوق الأقليات فى العالم العربى والشرق الأوسط" - وهى قضية تستحق الدراسة فعلاً - لولا أن القائمين على تنظيم المؤتمر وضعوا "أقباط مصر" ضمن أقليات العالم العربى والشرق الأوسط، وهو أمر لفت نظر كثيرين وحول الموضوع من قضية تستحق الدراسة إلى مسألة تستوجب التوقف بالاهتمام، وما هو أكثر!

2- وسُئلت إذا كنت سأحضر المؤتمر وأشارك فى أعماله، وأجبت بالنفى. ورحت أبدى وجهة نظرى بالتفصيل. وتفضل الأستاذ جمال بدوى رئيس تحرير جريدة الوفد فطلب إلى أن أكتب فى جريدته، واقترحت عليه أن يكتب هو أو يستكتب من يشاء.

3- وظهر يوم السبت 16 ابريل اتصل بى الأستاذ جمال بدوى معيداً اقتراحه ومصمماً عليه، وقائلا إنه عرض الفكرة على الصديق الكبير الأستاذ فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد الذى أيّد الفكرة بحماسة وتمنى لو أصبحت قاعدة وكتبت كل أسبوع لجريدة الوفد.

وكان رأيى رداً على الأستاذ جمال بدوى أننى مع عرفانى لبواعث هذه الدعوة إلا إننى لأسباب كثيرة لا أستطيع قبولها إلا فى إطار محدود، وبالتالى فإننى تقديراً له، واحتراماً للأخ الكبير الأستاذ فؤاد سراج الدين، وهو صديق قريب لأكثر من أربعين عاماً، سوف أكتب لجريدة الوفد برأيى فى الموضوع، ولكنى سأجعل كتابتى على شكل رسالة موجهة إليه لكى يكون واضحاً وجلياً أنها مرة واحدة ولمناسبة اقتضتها، وهذا هو كل شىء.

وبدأ الأستاذ جمال بدوى يسألنى عن الموعد الذى يمكن أن يتسلم فيه ما أكتب وقد طلب أن يكون ذلك على عجل لأنه مسافر إلى الصين ضمن الوفد الصحفى المرافق للرئيس حسنى مبارك. وسألته عن موعد سفره فقال إن طائرة من شركة مصر للطيران سوف تحمل الصحفيين إلى الصين صباح الثلاثاء، وقلت: إذن سوف يكون عندك ما أكتب بعد ظهر يوم الاثنين - هكذا كان.

ووصل ما كتبت إلى الأستاذ جمال بدوى، واتصل بى وصوته مفعم بالمودة والدفء ثم راح يعرض لبعض التفاصيل الفنية: سوف ينشر ما كتبت يوم الخميس فى العدد الخاص من الوفد، وسوف يضع إشارة إليه فى عدد الأربعاء، وسوف يبعث إلى ببروفة ما كتبت بعد جمعه وتصحيحه إذا ما كانت لى ملاحظات.

4- وصباح يوم الأربعاء صدرت جريدة الوفد وكان الركن الأعلى من جانبها الأيسر، أبرز مكان فى الصفحة الأولى، يحمل الإشارة إلى ما كتبت وما سوف تنشره الجريدة "غداً". واتصلت صحف عربية كثيرة بمكتبى تطلب نشر ما كتبت فى نفس الوقت مع جريدة الوفد، وكان الرد عليها جميعا بعد الشكر على اهتمامها، هو أن "ما كتبته يخص جريدة الوفد، وكان أقصى ما وصلت إليه هو أن تنشر جريدة "الأهرام ويكلى"، وهى الجريدة الأسبوعية التى تصدر عن الأهرام باللغة الإنجليزية، نصاً للرسالة.

5- وصباح أمس - الخميس - صدرت جريدة الوفد وليس فيها ما أعلنت عنه فى اليوم السابق فى أبرز مكان فى صفحتها الأولى، ولم يقم أحد مسبقاً بإخطارى بالامتناع عن نشر كلام لم أتطوع به من عندى، ولا قام أحد لاحقاً بالاعتذار لقراء قيل لهم بالأمس أن ينتظروا شيئاً يقرأوه فى الغد.

وكانت المفارقة أن "الأهرام ويكلى" نشرت بالإنجليزية نص الرسالة الموجهة منى إلى رئيس تحرير الوفد العربية. وهكذا غاب الأصل فى حين تبدى الظل.

6- لم أحاول أن أسأل: ماذا جرى؟ - ولكن بعض الأصدقاء تطوعوا بإبلاغى أن نشر إعلان مسبق عما كتبت استنفر جمعاً من بعض أعضاء الهيئة العليا وغيرهم - أبدوا عدم رضاهم إلى درجة الغضب عن "كيف يمكن أن تنشر جريدة الوفد شيئاً لكاتب صحفى كان صديقاً لجمال عبد الناصر".

ثم قيل لى أن الصديق الكبير الأستاذ فؤاد سراج الدين راح يدافع عن دعوة رئيس تحرير جريدة الوفد لى، وعن تأييده لهذه الدعوة، وكان بين ما قاله أن "الكاتب لم يتطوع بالكتابة لجريدتنا، وإنما نحن طلبنا منه أن يكتب واستجاب، ثم أنه ليس فى حاجة إلى أن ينشر رأيه عندنا، فصحف الدنيا مفتوحة أمامه عندما يريد". ثم ورد فى كلامه ما هو أهم وأكبر..

قال الرجل: "نحن نقول للناس أننا حزب ليبرالى يؤمن بتعدد الآراء.

ونحن نقول للناس أننا حزب ديمقراطى يتسع للحوار.

ونحن حزب يقول أنه ضد أى رقابة على النشر، فكيف نفرض رقابة على مثله؟ وإذا كنا نفعل ذلك ونحن حزب فى المعارضة، فما الذى يمكن أن ينتظره الناس منا إذا وصلنا يوما إلى الحكم؟".

ونحن... ونحن... ونحن....

ثم كان تساؤله الحائر: "وإذا لم ننشر غداً، فماذا نقول للناس؟".

وانتهى الأمر بأن جريدة حزب الوفد لم تنشر. ولم تقل للناس إيضاحاً.

وكانت أمامنا قضية واحدة - أصبحت الآن قضيتين:

قضية خطأ يمس مسألة حيوية فى حياتنا ومستقبلنا، وهى الوحدة الوطنية.

- وقضية أخرى لا أعرف ماذا أسميها؟

ثم يتحدث بعض الناس بعد ذلك عن التطرف، ويزعمون أن لديهم حلولاً لمواجهة الإرهاب!

أروى هذا كله.. ولا أضيف بعده كلمة واحدة، تاركاً للناس أن يقرأوا رسالة إلى رئيس تحرير جريدة الوفد، وتاركاً لهم الرأى فى ملابسات أحاطت بها‍!



 


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv