25 مايو, 2017
06:08 م
   
  تحقيقات  
شركات الدواء الخاصة تسوق المنظومة الطبية لطحن المرضى وتدمير الصناعة.. المندوب والطبيب: من هنا تبدأ الأزمة!
   


السيد شبل

البداية عندما يسيل لعاب الطبيب أمام إغراء المنودب

شركات الدواء الخاصة والأجنبية حوّلت قطاع من الأطباء، الذين يسيل لعابهم أمام رشاوى يتم تقديمها في صورة (رحلات سياحية، أجهزة اتصال، واليكترونيات.. وصولا إلى سيارات حديثة)، إلى مصاصي دماء، كيف؟، عبر دفعهم، لكتابة نوع معين من الدواء مرتفع السعر، لكن الفكرة أن البديل الأرخص (بذات المادة الفعّالة) يكون متوفر، لكن الطبيب (الذي يبدأ عنده الخيط) ثم الصيدلي (الذي يسير في ركابه) يقومان بتنحيته، لأن مصلحتهما في الترويج لصنف معين تابع لشركة معينة منحت الأول رشاوي مقنّعة (وهي في الواقع صريحة، تمامًا)، ودفعت الثاني، المتحفّر للبيع، لاقتناء الدواء الذي يكتبه الطبيب القريب جغرافيا منه، مع تقديم عبوات مجانية ترويجية (عند البيع تحقق مكسب 100%)، هذا بالإضافة إلى أن سعر الدواء المرتفع، غالبا ما يتبعه رفع لنسبة الربح من جانب الشركة المصنّعة.

تدمير الصناعة والشركات الحكومية.. ورفع الواردات

المشكلة ليست فيما سبق فقط، المشكلة أن هذا السلوك المنتشر في مصر منذ التسعينات، هو سبب مباشر في إفشال شركات الدواء الحكومية، واليوم تتجه الحكومة نحو تصفيتها بطرحها في البورصة.

وتدمير صناعة الدواء المصرية (الشركات الحكومية كانت تغطي 65 % من السوق حتى التسعينات، هذا مع الانتباه إلى أن هذه الشركات كانت تتبع وجزء من منظومة صناعية بحثية قادرة على ابتكار وتطوير الدواء، الآن الشركات الخاصة الموجودة تعيد إنتاج أدوية فقدت حقوق ملكيتها الفكرية مع استيراد 90% من المواد الفعّالة، بلا أي نوع من الإبداع أو العمل البحثي، هذا بخلاف الدواء المستورد باسمه التجاري والذي يتم تسويقه محليا، وكل ما سبق واحد من أسباب رفع الواردات وبالتالي خفض العملة الوطنية).

نعود لنقول، تراجعت حصة شركات الدواء الحكومي الآن إلى ما بين (3 إلى 8%)، لماذا؟، لأنها بالإضافة إلى عمليات التخريب المتعمّد، لم تتورط في هذا السلوك سيء الذكر والأثر الذي لجأت إليه الشركات الخاصة والأجنبية، وهو: المناديب (وهذا بالضبط، وبالتحديد سبب نكبتها وتراجعها)، ومن الطبيعي أن تمتنع شركة حكومية مضبوطة بالمسؤولية والصالح العام عن توظيف مناديب/مسوّقين بهذه الصورة (لأنه سلوك يجرّمه القانون، لأنه يحمّل كل هذه المنح والرشاوي في الختام على حساب المستهلك، مما يتسبب في ارتفاع جنوني لسعر الدواء).. وهذا أدى بالختام، إلى وجود أدوية حكومية تملك ذات المادة الفعّالة الموجودة في أدوية نتاج شركات خاصة وأجنبية، وبسعر زهيد جدًا بالمقارنة (مما يوفّر أموالًا للمريض) لكن المحصّلة أن المريض لن يجد الدواء الحكومي، لأن الطبيب لن يكتبه أولًا، ولو سمع به من نفسه ففرصة إيجاده تضاءلت.

المشكلة المضافة هنا، أن السلطات، لا تزال تفرض أسعار مخفّضة جدا، للدواء الحكومي (لا تغطي تكلفته)، لدرجة أن هناك أدوية تعالج أمراض مزمنة تباع بـ 3 جنيه تقريبا، والحقيقة فيجب أن يكون مفهومًا، أن هذا لا يستهدف خدمة المريض، لأن الرقابة عامة غائبة، والسلطة منسحبة عن الاشتباك إجمالا، وهي مع وعيها بالحقائق السابقة (معظم وزراء الصحة في العقود الأخيرة أطباء كبار، ومستثمرين في المجال الصحي)، يصبح الهدف، منطقيا، هو "تخسير" متعمّد لهذه الشركات، ودفعها للإفلاس، لأنها عاجزة -حتى لو باعت- عن تغطية تكلفة منتجاتها!.

صور للأزمة..

في 2010،، قال د.محسن حسين رئيس شركة القاهرة للأدوية، إحدى شركات قطاع الأعمال العام، في تصريح للأهرام، ما يمكن أن نفهم منه أمثلة للأزمة (التي لم تكن تفاقمت حينها إلى حد اليوم)، وكيف يتم تخسير وتدمير الصناعة الحكومية والضغط على المرضى، قال: "شريط (البراستامول) المسكن تنتجه شركة مصر للمستحضرات الطبية (بجنيه واحد)، وبنفس جرعة المادة الخام فيه تنتجه شركة مستثمرة بـ7 جنيهات, والفارق فقط هو الدعاية" موضحًا ما معناه: أن كثرة المؤتمرات والهدايا والرحلات وجودة التغليف هي السر في انتشارهم.. ونقول نحن: "الرشاوي" هي سر انتشارهم، وهي التي تسوق طبيب لدفع مريضه لشراء دواء (بذات المادة الفعالة) بسعر أعلى فيتعذب المريض، ويتم تدمير صناعة الدواء الحكومي، والقذف بها خارج دائرة المنافسة.

ومن الأمثلة على سوء التسعير، الذي يتسبب في "التخسير" دون أن يستفيد المريض في المحصّلة (لأن الطبيب لا يكتب الدواء الحكومي)، يوضح د.مجدي حسن رئيس غرفة صناعة الدواء ورئيس مجلس القابضة للأدوية، للأهرام في تحقيقها بالـ 2010، "الشركات الحكومية تنتج أدوية كثيرة في غاية الأهمية، لكن سعرها غير عادل، علي سبيل المثال فإن قطرة (أوفنامسيون) مسعرة من بـ65 قرشا وزجاجتها الفارغة بـ45 قرشا!".

ويضيف "سعر منتج القطاع العام ثابت منذ10 سنوات.. أما الشركات الجديدة فتطرح نفس المنتج بعشرة أضعاف سعر ما ينتجه القطاع العام" وعلي سبيل المثال فإن (الييجاسس) الذي تورده الشركة المصرية لمشروع الكبد والذي تتبناه الوزارة بـ385 جنيها هو نفس مواده الخام المصنعة وبنفس مصنعيته من العمالة الذين انتقلوا من شركات قطاع الأعمال ليباع منتجهم بـ 4 أضعاف".

الشيء المثير للاستغراب والعجب هنا، أن قرارات الحكومة برفع تسعيرة الدواء لأكثر من مرة في السنوات الأخيرة تحت ضغط الشركات الأجنبية، وتلويحها بتعطيش السوق (بالمناسبة، موضوع التسعير الجبري للدواء الخاص حاولت وزارة حاتم الجبلي قبل يناير، التخلص منه بالكلية تكيفًا مع أجندة البنك الدولي واستجابة لهوى المستثمرين، إلا أن حركات معارضة احتجت قانونيا فتم التعطيل، اليوم يتم الالتفاف عليه برفع هوامش الربح)، رفع الأسعار مؤخرًا، راكم الثروة لصالح شركات الدواء الخاصة والأجنبية، في حين لم يخلق فارقًا ملحوظًا بالنسبة لقطاع الدواء الحكومي، تضرب مني مينا وكيل نقابة الأطباء مثالا، على ذلك فتقول: "تسعيرة الدواء المنخفضة جدا تؤدي لخسارة وإفلاس شركات قطاع الأعمال العاملة في مجال الأدوية، وبالتالي تنفرد الشركات الأجنبية بسوق الدواء في مصر"، وعليه تطالب بسياسة تسعير عادلة لإنقاذ والحفاظ على صناعة الدواء المصرية، بحيث يتم تحديد التكلفة وإضافة هامش ربح، لكن ما يحدث في الحقيقة هو أنه، تكمل مينا، يتم تجيير مسألة انخفاض سعر الدواء الحكومي لصالح رفع مكاسب الشركات الخاصة، فعوضًا عن أن يتم دراسة أصناف الدواء الحكومي (كل على حدة) وتحديد تلك التي لا يغطي سعر بيعها سعر تكلفتها، ويتم رفع سعرها، يتم تقرير زيادة عامة على الدواء (الخاص والحكومي)، وما يحدث أن الدواء الخاص يرتفع، أما الشركات الوطنية ذات المنتجات المسعرة تسعيرة منخفضة جدا لا يعود عليها أثر ملحوظ، فماذا يفيد، تتساءل مينا، شركة لها منتج مسعر بـ 1.25 قرش أن يصبح المنتج ب 1.50 قرش (اعتمادًا على قرار رفع أسعار الأدوية الأقل من 30 جنيه، 20% والصادر في 2016)، في حين أن تكلفة إنتاجه الحقيقية بـ 3جنيهات؟، مشيرة إلى أنه قد يكون هناك دواء مسعر بـ25 جنيه ، بينما تكلفة إنتاجه 20 جنيه ، إذن هذا الدواء يحقق هامش ربح 25%، ولا حاجة لزيادته.

وتلخص، مينا، فكرتها قائلة: "نحتاج لبحث سعر كل دواء على حدة ، حتى لا تستخدم حجة "إنقاذ شركات الدواء المصرية المعرضة للإفلاس" في رفع كلي لأسعار الدواء.. وزيادة معاناة المريض المصري .. وبالطبع نحتاج لتوضيح قاطع أن التسعير لعلبة الدواء كاملة"، في إشارة إلى التفاف شركات الدواء الخاصة على قرار الرفع بـ 20% وتحميله على كل شريط داخل العلبة، وليس العلبة كلها!.

ما الحل؟

الحل ببساطة هو اتخاذ قرار قاطع، بالتوقف عن تسليع "الدواء"، والتعامل مع "الصحة" كحق يجب أن تتم كفالته وضمانته، ثم تفعيل قرارات وزارة الصحة رقم 238 لسنة 2003 التي تجرّم الاستعانة بالوسطاء في مزاولة مهنة الطبيب، والإلزام بنص لائحة آداب المهنة التي تمنع طلب أو قبول مكافأة أو أجر من أي نوع كان نظير التعهد أو القيام بوصف أدوية أو أجهزة معينة للمرض. (مع تغليظ العقوبات تشريعيًا).

ثم الوعي بأن الملاذ الوحيد لضمان صحة أفضل للمواطنين، هو دعم والحفاظ على الشركات الحكومية، ودعم تصنيع الدواء (بداية من المادة الفعالة، عبر استزراع الأعشاب والنباتات الطبية -عندما تزرع الصفصاف الأبيض ستمهّد الطريق لتصنيع علاجات الصداع ومسكّنات الآلام "الأسبرين" الذي يعتمد على حمض الساليسيليك المًستخرج من الصفصاف-، والاقتداء بآسيا التي تخطو للأمام في هذا المجال)، ودفع العمل البحثي (هذا في حاجة إلى مشروع وطني)، ليعود الصيدلي، إلى "معمله" للابتكار والصناعة، ويصطف الطبيب إلى جوار مريضه، ضد عدو واحد هو المرض، وأن يترفّع عن أن يتحوّل إلى تاجر يراكم ثروة من وراء شخص في أضعف لحظات حياته الإنسانية، ويثق به، إلى حد وضع عمره بين يديه!، ثم دفع المنظومة كلية نحو الأمام.. هذا مع حصار عمل الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات (صارت تستحوذ على نحو 60% من سوق الدواء!)، لأنه من غير المعقول ترك صحة أبناء البلد لهوى شخص أو مجموعة أشخاص جالسين خارج الحدود، يراكمون في الثروة، وينزحون الربح من الداخل، ويؤبّدون وضع البلد كسوق غير منتج، ويسثمرون في الأمراض، ومع يقيننا بأن هذا الصنف من البشر معبوده البرح، فهذا معناه، أن مع الوقت سيصير المرضى غير قادرين على دفع تكاليف علاجهم، مما يعني بالختام بلد عليل ومريض ومتسوّل.

(يجب هنا لفت النظر، من باب ذكر الشيء بالشيء، إلى أن ما يجري من بيع كثيف لمعامل التحاليل لكارتلات صحية أجنبية، يعد مساسا بالأمن القومي نفسه، ونشر كامل التقارير الصحية لعموم المواطنين أمام أعين من يبغي).

محلات البقالة، والصناعة المحلية.. سيناريو الصيدليات يتكرر

ما يحدث في مجال الطب، يحدث شيء شبيهه في محلات البقالة، حيث مع الوقت تتسيّد المنتجات المستوردة، أو المصنّعة محليًا لصالح وبواسطة فروع محلية لشركات أجنبية، ورغم وجود منتجات صناعة محليّة تعتبر قريبة في مستوى الجودة، وسعرها منخفض بالمقارنة (نصف الثمن تقريبا، لذات قطعة الحلوى من نفس الوزن)، إلا أنها مع الوقت لا تجد موطيء قدم داخل المحلّات.. بنفس الأسلوب، حيث يتم رشوة التاجر بعبوات مجانية في بداية الأمر، مما يدفعه لوضعها في مكان أنسب (أمام المشتري بشكل مباشر، ومستفز غالبًا، توضع أمامه عند الحساب النهائي، وتطارده إعلاناتها داخل المتجر) بغرض رفع معدلات الشراء، ثم مع كثافة الترويج، والقدرة الفائقة على التوزيع والعرض (في ثلاجات حديثة، مثلا) وحملات الدعاية، يتم تثبيت مكانتها، لدى التاجر والمستهلك (الذي يعتادها اطفاله، إن نجح في كبح جماح نفسه)، هنا يتم رفع السعر بشكل مضاعف (ويصير البديل غير متوفر)، هذا أيضًا مع ملاحظة أن ارتفاع سعر السلعة (كما الدواء) يسيل لعاب البائع لأنه في الغالب يتبعه من الشركة المصنّعة رفع لنسبة ربحه، في المحصّلة تجني نزيفا للعملة المحلية في أسواق الصرافة، بغرض ماذا؟، تحويلها لدولارات لاستيراد مزيد من أنواع الشيكولاته!، أو أن الصانع الأجنبي في الداخل يقوم بتحويل أرباحه اليت حصّلها بالجنيه إلى دولار استعدادًا لنقلها إلى المصارف الأجنبية (وهكذا..)، ومع ضعف عملية بيع المنتج المحلي، تبدأ أرباحه تنخفض، مما يؤثر على تراجع جودة منتجه، وخطوة خطوة ينحدر (كنتيجة) لاستنزافه مرحلة مرحلة، ويصبح عاجز عن المنافسة، حتى لو اتيحت له الفرصة

 


Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv