22 فبراير, 2017
05:22 م
آخر الأخبار
   
  حوار مع  
المفكر المصري القبطي جمال أسعد
   


شبكة الأخبار العربية

المفكر المصري القبطي جمال أسعد

أجرى الحوار في القاهرة: رانية عبد الرحيم المدهون

العمل الدعوي الإسلامي والعمل التبشيري المسيحي ما زالا يقفان على ذات الأرضية الطائفية

نطالب بتصحيح الفكر الديني وليس الخطاب الديني


- رغم ما حاولوا تكريسه من فرقة بين المسيحيين والمسلمين بإثارة الفتن؛ فإنني أرى أن هذه المؤامرات أتت نتائج على عكس ما أرادوا، فأصبحت أشعر بأعياد الأخوة المسيحيين أكثر من ذي قبل؛ حتى أنني اشعر بأن الوطن اليوم في عيد للجميع؛ مسيحييه ومسلميه أيضًا.

بالطبع؛ ومنذ أيام قليلة كان برنامج للإعلامي حمدي رزق، الذي أرسل معايدات للزملاء المسيحيين في مصر، وكنت أنا ضمنهم، واتصل بي لأجري مداخلة في البرنامج، وعندما قال لي "كل عام وأنت وكل المسيحيين بخير"، قلت له "كل عام وإخواننا المسلمين أيضًا بخير، فهو عيدهم هم الآخرين"، على غير ما كان العابثون يريدون.

- هل العمل الدعوي الإسلامي أو التبشيري المسيحي ما زال يقف عند حد الدعوة إلى اعتناق دين معين، أم أنه له مفاد آخر، وما هو هذا المفاد من وجهة نظرك؟

أولاً العمل الدعوي الإسلامي والعمل التبشيري المسيحي ما زالا يقفان في نفس الدائرة وذات الأرضية الطائفية، وإذا كان هناك بعض التصريحات أو الممارسات الشكلية لا تؤتي ثمارها المطلوبة؛ ولذلك ما زلنا وسنظل نطالب بتصحيح الفكر الديني وليس الخطاب الديني؛ وأنا لي تعبير بدأ ينتشر إعلاميًا ويقتنع به المعنيين، وهو تصحيح الفكر الديني وليس الخطاب الديني.

- وما الفرق بينهما بالتحديد؟ 

الخطاب الديني هو الوسيلة التي نستخدمها في إيصال الفكر، والمتمثِّل في الإسيس والشيخ ووسائل الإعلام، والمسجد والكنيسة، والمنبر؛ إنما هؤلاء يوصلون الفكر الديني فحسب؛ والفكر الديني هو فكر البشر في تفسير النص الديني؛ ولذلك هنا يختلف فكر عن فكر رغم ان النص واحد، وينتج الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، والسنة والشيعة، على الرغم من أن القرآن واحد والإنجيل؛ إنما تفسير وتأويل واجتهادات الفكر الإنساني للنص يحدث اختلاف وأحيانًا يحدث تناقض؛ ولذلك فنحن نطالب بتغيير وتصحيح الفكر الديني.

إن الفكر الديني الذي أقصده هو التمسك بالقيم العليا للأديان، والقيم التي يشترك فيها جميع الأديان؛ وليس الأديان السماوية فقط ، ولكن الأديان سماوية والوضعية؛ فكلها أديان تدعو إلى الإنسانيات؛ فقد نختلف في الفكر، وقد نختلف في العقيدة، وقد نختلف في الدين؛ ولكن نتفق في الإنسانية؛ لأن الله هو الذي خلق الإنسان، والله الذي أراد الدين بشكل عام.

- وهل الدعوة إلى تجديد الفكر الديني لن يتم مواجهته بدعوى أن الفكر يساوي العقيدة، وأن العقيدة غير مسموح  المساس بها؟

الفكر يختلف عن العقيدة؛ وبالمناسبة فالعقيدة غير الإيمان؛ القيمة الحقيقية الأهم هي الإيمان؛ والإيمان هنا من خلال الفكر يتحوّل إلى عقيدة؛ وللتوضيح مثلا فالإسلام هو الإيمان، إنما السلفيون ففكرهم قاد إلى عقيدة سلفية، والإخوان المسلمين عقيدتهم الفكر الإخواني الخاص بهم.

- إذن فالفكر يقود إلى عقيدة، والعقيدة هي ممارسة الإيمان؟

نعم؛ العقيدة يمكن أن تختلف وتتباين، والفكر يختلف ويتباين ، غيرهم غير الإيمان؛ لذلك فعندما نقول تجديد الفكر الديني، فنحن بهذا لا نتطرق إلى الإيمان وإلى نقد الدين؛ فالفكر إنساني وليس غلهي؛ هل الفقهاء الأربعة، أو أقوال آباء الكنيسة الأولين فكر إنساني ام إلهي؟! وهل يخضع للخطأ والصواب أم أنه مقدَّس؟! والإشكالية اليوم والفكر الخاطيء أننا نجعل من التراث والأشخاص أشياء وأشخاص مقدسين، وهنا يحدث الخلط ؛ فعندما نتحدث عن آباء الكنيسة يقولون إننا ضد المسيحية ! وعندما نتحدث عن البخاري يقولون إننا ضد الإسلام، وهذا هو الفكر الخاطىء. 

- في الأمس كانت من الأساليب المستخدمة لإثارة الخلافات والتشرذم والقضاء على الوحدة الوطنية في مصر ما أسموه بأسلمة المسيحيات، إلى جانب العمليات الإرهابية الموجَّهة لضرب هذه الوحدة في مقتل؛ فما أهم الأساليب المستخدمة اليوم والمتوقع استخدامها للنيل من الوحدة الوطنية في مصر؟

العمليات الإرهابية في حد ذاتها، هي عمليات تستهدف في المقام الأول النظام والحُكم؛ حتى عندما كانت الجماعات الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي تستهدف الكنائس والمسيحيين، كانت تستهدف إحراج النظام، ولذلك فبعد ذلك بدأت العمليات الإرهابية الحقيقية التي أنتجت داعش وخلافه في سيناء، وتعمّقت وتجذَّرت وتكرَّست بعد الإفراج من نظام الإخوان عن هذه الجماعات، حتى أصبحت الآن بالحجم الذي تبدو عليه في سيناء.

والمرحلة الجديدة في العمليات والتنظيمات الإرهابية هذه لا يعنيها في المقام الأول المسيحيين؛ بل يعنيها النظام الذي جاء بديلاً للإخوان؛ هم الآن يستهدفون نظام 30 يونيو، وتحديدًا الرئيس السيسي؛ ولذلك فقد حدث الخلط بين النظام والسيسي وبين الدولة، فأصبحوا اليوم يستهدفون ليس النظام فقط ولكن الدولة ذاتها؛ وهنا فأي عمليات في مواجهة الشرطة أو الجيش أو القضاء أو الأقباط فهي في المقام الأول تستهدف الدولة؛ ولو عدنا إلى أحداث كنيسة القديسين في 31 يناير 2010، نجد أنها كانت تستهدف أقباط كعملية استهداف للكنيسة ذاتها، وهنا الجميع ينسى ويتناسى، ففي هذه المرحلة كان هناك ما يسمى بالمطالبة بعودة الأخوات المسلمات، وهن زوجات الكهنة اللواتي أسلمن، وبدأت وقتها حملة شنيعة من الجماعة السلفية ضد البابا شنودة على أنه كان يحتجز المسلمات؛ ولذلك نُذكِّر هنا بأن تنظيم القاعدة في العراق قد فجَّر كنيسة سيدة النجاة قبلها، والتي كانت عملية إرهابية خطيرة، مُصدرًا بيانًا يهدِّد فيه الكنيسة والبابا شنودة إذا لم يسلم الأخوات المسلمات، فإنه سيتم التعامل بنفس مستوى عملية كنيسة النجاة، وبالفعل فقد حدثت عملية كنيسة القديسين؛ ولذلك فالدعايات التي تقول إن نظام مبارك أو العادلي هو من رتَّب حادثة كنيسة القديسين، كلها غير حقيقية ولا علاقة لها بالتحليل السياسي الموضوعي؛ إنما الفرق بين عملية كنيسة القديسين التي استهدفت الأقباط والكنيسة على أرضية طائفية، تختلف عن عملية الكنيسة البطرسية التي استهدفت الأقباط والكنيسة على أرضية سياسية، باعتبار الأقباط لأول مرة في التاريخ المصري يشاركون لأول في أحداث مثل أحداث 30 يونيه؛ فهم لم يشاركوا لا في ثورة 1919 ولا غيرها من الثروات والحراكات الواسعة بالشكل المطلوح تاريخيًا؛ كما أن مشاركة البابا ضوادروس في 3 يوليو؛ هذا وذاك؛ جعلت الجماعات الإرهابية تستهدف الدولة وبما فيها الأقباط ؛ ولذلك فعملية الكنيسة البطرسية كانت رسائل للكنيسة والأقباط؛ ورسائل للرئيس السيسي؛ ورسائل للدولة بشكل عام.

- كيف ترى قرار الكونجرس بترميم الكنائس المصرية؟

سؤال واحد؛ ما الذي ذكَّر أمريكا بالأقباط ؟! الكونجرس أراد اللعب على هذا الوتر، لجذب تعاطف الأقباط ، وإحداث خلخلة مجتمعية بهذا الاختراق السياسي لأقباط مصر؛ ويجب ألاّ ننسى قرار الخارجية الأمريكية عام 1996، بحماية الأقليات الدينية في العالم، لإحراج دول الوطن العربي، وزرع بذور الفتنة بين مسيحييها ومسلميها.

- وهل قرار مصر الخاص بقانون بناء الكنائس، يمكن أن يمرِّر الفرصة على العدو في زرع بذور الانقسام الطائفي؟

لا أعتقد؛ فالاحتقان الطائفي تكوَّن من تراكمات من سنوات ماضيه، نتيجة الخطابين السلفي والوهابي المتشدِّدين؛ إلى جانب خطاب المتشدِّدين الأقباط.

الحل يكمن في خطاب وطني، يبعد كل البعد عن الطائفية.

- وما وجهة نظرك في مسألة إلغاء خانة الديانه من البطاقة الشخصية؟

كلها مجرّد أمور إجرائية، تزيد من الاحتقان الطائفى ولا تحل المشكلة.

- ما الفروق الجوهريَّة بين الأداء الديني والسياسي للبابا شنودة ولخليفته البابا ضوادروس الثاني؟

الكثيرون يعتقدرون أنه كان بيني وبين البابا شنودة خلاف شخصي؛ وهذا ليس صحيح؛ فالبابا شنودة كان يتدخَّل في السياسة بشكل كبير؛ لكن البابا ضوادروس يندرج تحت سياسة الدولة، ويتفرَّغ لدوره الديني.

- لماذا لم تشارك في معارك الانتخابات البرلمانية ما بعد 25 يناير؟

أنا رجل من عامة الشعب؛ لا أملك سوى دخل بسيط ؛ وهذه الانتخابات تحتاج إلى دعايا باهظة الثمن بشكل كبير، لا سيما وأن المجلس اليوم سيطرت عليه الأموال، وطبقة رجال الأعمال بشكل واضح.

الانتخابات البرلمانية تحتاج إلى الملايين؛ وهذا غير متاح للإنسان العادي.

- وما رأيك في أداء البرلمان اليوم؟

أرى أن مجلس النواب مسيطر عليه من ائتلاف دعم مصر؛ فما الفرق إذن بينه وبين الحزب الوطني؟!

إنه حزب وطني من جديد، وفي مجملهُ، فإنه ليس واجهة للحكومة، ولا هو يحقِّق آمال الشعب المصري.

- في الذكرى السادسة لـ 25 يناير؛ هل ما زالت "الثورة مستمرة"؟

الثورات ليست سلعة تحت الطلب؛ و25 يناير في علم الثورات لا يُعتبر ثورة؛ وإنما هو مرحلة هامة في تاريخ الشعب المصري.

كما أنه فى العلوم السياسية ما يسمى بـ"الثورة المستمرة"؛ فالثورة حدث مفاجئ لا تاريخ معلوم لها، ولا مكان معروف لها؛ يجب وجود حركة منظَّمة، وقيادة، مصحوبة بحراك جماهيرى.

لا نريد أن تُتّخذ الحالة الاقتصادية الصعبة التي تواجهها مصر اليوم، كواجهة لجماعات معيَّنة، تريد إحداث توترات في لبلد.

- ماذا ترى إذن فيما يخص مشكلة تعويم الجنيه، والحالة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة والشعب؟

تعويم الجنيه جعله يفقد أكثر من قيمته؛ وبسبب انتشار الفساد في المجتمع وحالة الجشع واحتكار التجار، فإن ذلك يجعل القوى الشرائية للجنيه تفقد الكثير.

الأزمة ليست في التوزيع العادل؛ ولكنها في تحمُّل المواطن العادي عبء رفع الدعم عن السلع الأساسية وحده؛ فرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، لن يشعروا بالأزمة مثل المواطن العادي، نظرًا للميزات الاستثمارية التي يحصلون عليها.

يجب وضع قرارات تجعل المواطن يشعر بالعدالة في تحمُّل الأعباء، وليس في توزيع الدخل.

كما يجب رفع الحد الأدنى إلى 1600 جنيه على الأقل، مع تطبيق الحد الأعلى للأجور، وبسرعة.

ويجب أيضًا تخفيض المصروفات الحكومية، مع إيلاء الاهتمام بالإنتاج، لتقليص الاستيراد، وزيادة التصدير؛ وذلك لعلاج العجز في الميزان التجاري.



 


Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv