25 مايو, 2017
06:10 م
   
  دراسات  
25 يناير ..المقدمات والأسباب
   


محمد قاياتي

مدخل :

الكتابة عن الثورة المصرية وأحداثها وتداعياتها ، سيظل أمرا متصلا ربما لسنوات طويلة قادمة ، لا يعود هذا فقط بسبب ثقل مصر السياسي والحضاري والتاريخي والثقافي ، لكنه يرجع بالأساس إلي فرادة الثورة المصرية تخطيطا وتنفيذا وإبداعا ، فتلك الثورة هي الأولي في تاريخ الثوارت التي عرفتها البشرية التي يعلن الداعون  لها عن موعد محدد لإنطلاقها ، موعد يعرفه النظام الحاكم كاملا بأجهزته الأمنية والاستخباراتية علي تنوعها واختلافها وإمكانتها المشهود لها بالقوة والكفاءة ، وترفع هذه الأجهزة جميعا استعدادتها للدرجة القصوى انتظارا للحدث وعملا علي إجهاضه في مهده ، غير أن الثورة لم تكتف فقط بإعلان موعد إنطلاقها لكنها أعلنت  أيضا أماكن التجمع والإنطلاق .

هذا الإعلان غير المسبوق قضي من الناحية النظرية والمنطقية علي عنصر المفاجأة ، الذي من المفترض أن يكون عاملا حاسما في نجاح الثورة –أية ثورة- ، فمباغتة الأجهزة الأمنية وأخذها علي غرة ودون أن تكون مستعدة بالقدر الكافي فضلا عن الكتمان والسرية ، هي كلها عوامل بديهية في التخطيط لعمل يستهدف تغييرا جذريا في بنية النظام الحاكم ، وعلي الرغم من مخالفة كل القواعد المعروفة سلفا ، إلا أن المفاجأة حدثت بالفعل ، بل كانت أكبر من كل توقع ، وأذهلت بوقعها وحجمها وقوتها الجميع دون استثناء يستوي في ذلك الثوار بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية بالمحللين السياسيين والمفكرين والمثقفين ، باختصار لقد فاجئ الشعب المصري نفسه ، وحول دفة التوقعات جميعا ، وأثبت قدرته علي الإبداع والمباغتة .

لقد انتظر الجميع شيئا مختلفا عما حدث ، استنفرت أجهزة الأمن قواها المختلفة وقدرت عدد المتظاهرين في شتي أنحاء الجمهورية بـ 15000 متظاهر ، وتوقع المحللون السياسيون مظاهرات غضب كبيرة ربما تؤدي بالنظام إلي إقرار إصلاحات عاجلة ، أما أصحاب الدعوة فقد توقعوا كذلك مظاهرات كبيرة تتلوها محاولات أخري في قادم الأيام تصل إلي هدف الثورة تدريجيا مع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات ، غير أن ما سبق 25 يناير من تحليلات لم تكن تتوقع إندلاع ثورة في مصر بالمعني الواضح لإسقاط النظام ، كان الجميع متفق علي أن النظام سد جميع المنافذ لإحداث تغيير سلمي يؤمن انتقالا سلسا وديمقراطيا للسلطة ، وترواحت التوقعات ما بين استمرار النظام مع مبارك الأب أو انتقال السلطة للوريث جمال مبارك خاصة أن ترتيب الأوراق لإتمام عملية التوريث كان ماثلا للعيان ، ومع الأخذ في الاعتبار أن القوي السياسية الرافضة لعملية التوريث أو استمرار مبارك في السلطة ، لم تكن تملك من الأوراق والآليات ما يمكنها من إجهاض مشروع التوريث أو التمديد للأب الذي رآه البعض أفضل الخيارات المطروحة انتظارا لتدخل يد القدر لإنهاء فترة حكم مبارك ونظامه ، أما التحرك الشعبي فقد توقع البعض سيناريو الدخول إلي المجهول ، فقد أجمع معظم المحللين والسياسيين أن التحرك الشعبي في مصر سيكون بمثابة ثورة غضب تأكل الأخضر واليابس ، وقدروا أن هذا التحرك سيكون من جانب الفئات المهمشة التي سيكون تحركها تعبيرا عن الغضب وليس من أجل إحداث تغيير سياسي ، وإنما سيكون مدا كاسحا من العنف والتخريب والتدمير سخطا علي كل الأوضاع التي أدت بقطاعات كبيرة من الشعب المصري إلي السقوط في هاوية الفقر والجهل ، بل إن بعض رموز المعارضة المصرية كتبوا غير مرة مناشدين الرئيس المخلوع مبارك التدخل لإحداث انتقال آمن للسلطة لتجنيب مصر ما أسموه بسنياريوهات الفزع .

لكن يوم 25 يناير جاء ليصفع الجميع علي وجوههم ، وليعلن أن الشعوب لا تموت ، وأن القدرة علي التغيير تظل كامنة في العقول والقلوب تنتظر شرارة الإنطلاق ليخرج المارد من القمقم ، خرج الشعب المصري في مظاهرات سلمية ، لم يحمل أحد المتظاهرين حجرا ، ولم يعتدوا علي مرافق عامة أو خاصة – فقط تم استهداف مقرات الحزب الوطني الحاكم وأقسام الشرطة لتجسيدها سنوات القهر والقمع- ، خرج الشعب المصري بكافة فئاته وطوائفه مسيحيين ومسلمين شبابا ورجالا ونساء فقراء وأغنياء ينادون بالحرية والتغيير والعدالة والمساواة ، خرجوا ليرددوا مع محمد منير في رائعة الغائب الحاضر يوسف شاهين "المصير" أن الأغاني ما زالت ممكنة ، وليؤكدوا أن الشعب إذا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القد ، أو يستقيل "القذر" بحسب أحد لافتات ميدان التحرير نافذة المعني .

إن هذه الدراسة تتناول الأيام الأربعة الأولي للثورة المصرية ، لتحاول أن تتأمل كيف وقعت المفاجأة وكيف خرج الشعب غير عابئ بطلقات الرصاص ، واستطاع أن ينتصر علي آلة القمع البوليسية الجهنمية ، في ملحمة سوف يسجلها التاريخ بحفاوة وانبهار.

ما قبل 25 يناير .. كل شئ هادئ .. كل شئ يتحرك

" فأغشيناهم فهم لا يبصرون"( )

مشهد ما قبل البداية..فلاش باك

نهار / ليل   داخلي / خارجي

وصف المشهد

مصر وقد بدت سمائها غائمة ، تلفها رائحة الغضب

وتفتح أبوابها لرياح التغيير القادمة من الشمال حيث المشهد التونسي

تترقب ساعة المخاض العسير وتنظر بانبهار لحلم التغيير وتقول بملئ الفم

" وليه لأ"

قبل الخامس والعشرين من يناير كان كل شئ في مصر عاديا ومألوفا لدرجة الرتابة ، واستثنائيا ومغايرا حد الدهشة ، النظام الحاكم الذي تابع بقلق زلزال التغيير في تونس قرر تجاهل الأمر واعتباره حالة فردية غير قابلة للتكرار ، وراحت صحافته وأبواقه الإعلامية وأركان حكمه يرددون المقولة السحرية التي صارت نكبة علي كل من رددها " مصر ليست تونس" ( ) ، حصن النظام نفسه في قلعة التجاهل ، وصم أذنيه وأغلق عينيه عن التداعيات التي تطرأ علي المجتمع المصري نتيجة تصاعد معدلات الفقر والبطالة والتهميش السياسي والاجتماعي ، بل أنه أخذ في التباهي بنتائج انتخابات برلمانية لم يعرف التاريخ السياسي المصري مثيلا لها في التزوير والاستهانة بالإرادة الجماعية للمصرين ، بل إن رأس النظام لم يجد حرجا في التهكم علي المعارضين الذين قرروا أن يكونوا "برلمانا موازيا" بعد أن سدت أمامهم أبواب البرلمان الحقيقي ، فقال الرئيس المخلوع أمام  مجلس الشعب في افتتاح الدورة البرلمانية الأولي واصفا المعارضين "خليهم يتسلوا" .

لكن الأمر هنا يتعدي مفاهيم الاستهانة والغرور رغم وجودها المؤكد في بنية النظام الفكرية والنفسية ، إلي مستويات من الغباء السياسي وسوء التقدير ربما تحتاج في حد ذلتها إلي توقف وتأمل ، فقد كانت الشواهد كلها قبل 25 يناير تؤكد أن ثمة شئ ما سيحدث في مصر ،صحيح أنه لا يمكن لأحد القول بمعرفة يقينية عن طبيعة ما يمكن لأن يحدث ، لكن الواضح أن استمرار الأوضاع القائمة بات مستحيلا ، وكانت دوائر الغضب تتسع شيئا فشيئا ، لتصل إلي مستويات غير مسبوقة في تاريخ الشارع المصري ، والحقيقة أن ما حدث في يوم 25 يناير هو نتيجة لتراكم نضال سياسي واجتماعي علي مدار سنوات طويلة ، بدأت وتيرتها في الارتفاع مع ظهور حركة "كفاية" عام 2005 ، واستمرت في التصاعد حينا والانحسار في أحيان أخري منذ ذلك التاريخ وحتي حدوث المفاجأة في ذلك اليوم المشهود 25 يناير 2011 ، ويمكن تلخيص تلك العوامل التي قادت المجتمع المصري إلي إندلاع الثورة في عدد من العوامل كانت كالتالي :

1- ظهور الحركات المطالبة بالتغيير في الشارع المصري وخروجها مطالبة الجماهير بالانضمام إليها ، وكان لحركة "كفاية" فضل السبق في الخروج للشارع عام 2005 والمناداة بشكل واضح بتغيير سياسي جذري يطال رأس النظام وإنهاء مشروع التوريث ، وكان ذلك واضحا في الشعار الذي رفعته الحركة " لا للتمديد لا للتوريث" ، كان خروج "كفاية" إلي الشارع تغيرا نوعيا في مسيرة النضال ضد نظام الحكم ، فقد أحدثت الحركة تحولا مفصليا إذ خرجت من إطار فكرة "معارضة النظام" إلي المطالبة "بتغيير النظام" ، والفارق في الحالتين كبير وعميق ، إذ أن المعارضة هي فعل طبيعي وممارسة موجودة في كافة دول العالم ، والمعارضة في الأساس هي جزء من نظام ديمقراطي يتيح للجميع المنافسة الشريفة والمتساوية ، فيشكل من يحصل علي أغلبية أصوات الناخبين الحكومة وينتقل الخاسر إلي صفوف المعارضة ، والوضع السياسي في مصر لم يكن علي هذا النحو بشكل واضح وقاطع ، فهناك سلطة تحتكر كل أدوات الفعل السياسي ، وتمسك بمفاصل الدولة ، ورئيس يمتلك صلاحيات تتيح له البقاء والسيطرة علي كافة مناحي الحياة في البلاد ، بل هو بحكم الدستور فوق كل السلطات ، فهو القائد الأعلي للقوات المسلحة والقائد الأعلى لهيئة الشرطة ، ورئيس مجلس القضاء الأعلى ، ورئيس السلطة التنفيذية ، ورئيس الحزب الحاكم، وهو الذي يعين الحكومة ويقيلها ، وهو الذي يرسم بمشاركة الحكومة السياسات الداخلية والخارجية للبلاد ، كما أننا في إطار حزب لا علاقة له بمفهوم الأحزاب السياسية كما يعرفها علم السياسة ، فقد نشأ بقرار من رئيس الجمهورية الراحل أنور السادات وانضم له كافة أعضاء حزب مصر الذي كان يترأسه السادات نفسه قبل أن ينشئ الحزب الوطني ، وتداخلت وتشابكت خيوط الحزب بالحكومة بالدولة فصارت كلها في ذهنية المواطن العادي تعبر عن شئ واحد ، لذا فإن فكرة المعارضة سقطت ولم تعد صالحة للتعامل مع الوضع القائم ، فكان لابد من طرح جديد يتعامل مع واقع متشابك ومعقد وملتبس ، كانت الفكرة هي بالضبط المطالبة بتغيير النظام وليس معارضة النظام ، وإذا كان فضل البدء ينسب إلي حركة "كفاية" فما لبثت أن لحقت بها حركات أخري تنادي أيضا بتغيير النظام ، وكان يوم 6 أبريل 2008 تاريخا مهما في ظهور الحركات الاحتجاجية علي الساحة المصرية ، ففي هذا اليوم لبي المصريون دعوة أطلقتها مجموعات شبابية علي موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لجعل ذلك اليوم إضرابا عاما للمطالبة بالإصلاح والتغيير ، الاستجابة كانت محدودة في القاهرة ومعظم المحافظات ، غير أن المشهد في المحلة الكبري كان مختلفا ، فقد خرج ما يزيد عن 40 ألف عامل في شركة الغزل والنسيج بالمحلة مطالبين بوقف برنامج الخصخصة وبيع القطاع العام ، وزيادة الأجور ، وإحداث إصلاح سياسي حقيقي في البلاد ، لجأ النظام لذراعه الأمنية في مواجهة مظاهرات المحلة فوقعت مصادمات دامية بين الأمن والمتظاهرين ، وكان مشهد إحراق المتظاهرين لصورة الرئيس المخلوع حسني مبارك مشهدا استثنائيا في الواقع المصري يعبر عن مدي حالة الاحتقان التي وصل إليها الشارع المصري ، ورغم استطاعة قوات الأمن في السيطرة علي الموقف إلا أن هذا التاريخ مثل مرحلة أخري مفصلية في تاريخ الحركات الاحتجاجية المصرية ، ونشأت تخليدا لذكري هذا اليوم مجموعة "شباب 6 أبريل" والتي كان لها فيما بعد دورا بارزا في التخطيط والإعداد للثورة المصرية في 25 يناير ، تصاعدت بعد ذلك فعاليات الاحتجاج في الشارع المصري  وتركزت في أغلبها علي مظاهرات الحركات السياسية التي كانت تتأرجح بين التصاعد والانحسار ، غير أن متغيرا جديدا طرأ علي الساحة السياسية تمثل في دخول العمال علي خط الاحتجاج علي أوضاعهم المعيشية وظروف عملهم ، فلم يكد يمر شهر حتي يندلع اعتصام وإضراب في موقع من مواقع العمل في مصر ، وشهدت الحركة العمالية زخما غير مسبوق أججه عملية البيع المتسارعة للمصانع والشركات المملوكة للدولة ، وكان أول ضحايا عمليات البيع هم العمال أنفسهم ، حيث أنعكست هذه العمليات علي ظروفهم المعيشية والوظيفية ، فقد بدأ ما يشبه عملية الطرد الجماعي للعمال ، تحت دعوي إعادة هيكلة الشركات والمصانع ، فسعي الملاك الجدد إلي التخلص من العمال عن طريق ما عرف "بالمعاش المبكر" وهو ما أضاف إلي سوق البطالة المكتظ بالخريجين الجدد أعدادا غفيرة من العمال المدربين أصحاب الخبرات لتتسع دوائر الفقروالبطالة والتهميش الاجتماعي ، فقد شهدت الفترة من مايو 2008 إلي مايو 2009   746 احتجاجا وشارك  في الإضرابات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية، خلال هذه السنة، أكثر من 275 ألف عامل( ) ، وكان إضراب واعتصام موظفي مصلحة الضرائب العقارية في عام 2007 للمطالبة بتحسين أوضاعهم الوظيفية وضمهم لوزارة المالية نموذجا للإضراب السلمي الناجح ، من حيث العدد – شارك في الإضراب 55 ألف موظف- ومن حيث التنفيذ والتحرك للضغط علي الحكومة ، ومن هنا نري أن تصاعد تلك الحركات الاحتجاجية – السياسية والعمالية- كان أحد العوامل التي مهدت الطريق إلي ثورة 25 يناير غير أن النظام كان لا يزال بعيدا عن إدراك حالة الفوران التي تعتمل في أحشاء المجتمع المصري .

2- الدور الذي لعبته وسائل الإعلام وبخاصة المحطات الفضائية المصرية والعربية في توصيل المعلومات لقطاع عريض من الشعب المصري ، لقد كانت أحد الركائز الأساسية التي ساهمت في تثبيت دعائم النظام الحاكم في مصر هي احتكاره المطلق لوسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة ، فحتي منتصف تسعينيات القرن الماضي كانت الدولة تمتلك هذه الوسائل جميعا ، ومن ثم فهي تستطيع توصيل وحجب ما تريده من معلومات إلي جموع المصريين ، بل وتوجيه هذه الجموع في الاتجاه الذي تريده ، ورغم خروج بعض وسائل الإعلام المملوكة للدولة عن النص أحيانا والذي كان مثاله الواضح مجلة روز اليوسف في الفترة التي تولي قيادتها الصحفي الكبير عادل حمودة ، فإن هذه المحاولات ظلت تصطدم بعاملين أساسيين الأول هو الخطوط الحمراء للنظام التي لا تستطيع أي مطبوعة تخطيها مهما بلغت من جرأة ، والثاني هو محدودية تأثير الإعلام المطبوع نتيجة لانتشار معدلات الأمية في المجتمع المصري ، وكما كان لحركة "كفاية" فضل تغيير المعادلة السياسية علي الأرض كان الفضل هذه المرة لصحيفة شابة هي "الدستور" التي ظهرت في عام 1993 وترأس تحريها الكاتب إبراهيم عيسي ، كانت الدستور متغيرا حقيقيا في تاريخ الصحافة المصرية وإشعارا بمولد صحافة جديدة هي الصحافة المستقلة التي تتجاوز تعقيدات وسيطرة الصحافة الحكومية ، وتتجاوز أيضا سيطرة الأحزاب علي الصحف الحزبية المعارضة ، لكن الدستور لم تكتف بكسر المحرمات السياسية والدخول إلي المناطق الشائكة ، بل كسرت كذلك الشكل التقليدي للصحف المصرية إخراجا وتبويبا وأسلوبا ، فحققت هدفا مهما وهو جذب قطاعات كبيرة من القراء لم تكن تهتم بشراء الصحف أصلا ، وكان أكبر هذه القطاعات عددا هم الشباب الذين كانوا يبحثون عن الاختلاف والتغيير ، استطاعت الجريدة أن ترفع سقف التوزيع إلي أعداد غير مسبوقة وتنافس صحفا تجاوز عمرها المائة عام ولها من الإمكانات ما يفوق الدستور بمئات المرات ، غير النظام لم يستطع تحمل الدستور أكثر من سنوات ثلاث أغلقها بعدها في عام 1996 مستغلا أن ترخيص الصحيفة كان ترخيصا أجنبيا ، فصدر قرار بمنع توزيعها في مصر ، غير أن الطريق كان قد انفتح وجاءت بعد الدستور صحف أخري حاولت السير علي نفس الدرب ، حتي عادت الجريدة نفسها للصدور مرة أخري بعد سبع سنوات من التوقف هذه المرة بترخيص مصري وما لبثت أن أصدرت إصدارا يوميا كان بالغ التأثير في معارضة النظام معارضة جذرية لا مهادنة فيها ولا موائمة ، ما بين الصدور الأول للدستور والصدور الثاني صدرت عشرات الصحف والمطبوعات ، وظهرت كذلك القنوات الفضائية الخاصة والعربية التي ساهمت إلي حد بعيد في رفع مستوي الوعي لدي الشعب المصري ، وإيصال المعلومات والبيانات التي كانت غير متاحة قبلها ، وايضا ظهور شخصيات معارضة علي الشاشات لم يكن مسموحا بظهورها علي شاشة التلفزيون الحكومي ، ويرجع الفضل إلي قناة "دريم" الفضائية في خروج الحديث عن مخطط التوريث للعلن ، فقد نقلت القناة عام 2001 محاضرة للكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل في الجامعة الأمريكية تحدث فيها علنا عن وجود مخطط لتوريث الحكم في مصر ، وقد حاول النظام تطويق واستخدام ظاهرة المحطات الفضائية والصحف الخاصة ، من خلال ممارسة الضغوط الأمنية والمالية عليها من جانب ، ومن جانب آخر استخدامها داخليا كمتنفس سياسي يمنع انفجارا شعبيا يهدد النظام ، واستخدامها خارجيا للإدعاء بوجود مناخ للحرية في مصر يسمح بانتقاد الحكومة والنظام والرئيس نفسه ، غير أن ما فات علي النظام إدراكه أن طبقات الوعي التي تراكمت من خلال ما ينشر ويذاع في هذه القنوات والصحف تخلق وعيا جديد وإدراكا للحقائق الغائبة عن جموع المصريين ، ومن ثم قامت هذه القنوات والصحف بعملية الحرث الثقافي للمجتمع وتجهيز تربته الاجتماعية لنشر بذور الثورة ، والتعبير عن أشواق الحرية والتغيير ، ومرة أخري كان النظام غائبا .

3- نتائج الانتخابات البرلمانية 2010 ، كانت هذه الانتخابات بحق هي القشة التي قسمت ظهر البعير ، ورغم النتائج التي جاءت في ظاهرها مخيبة لآمال القوي السياسية المصرية إلا أن هذه النتائج نفسها كانت في الواقع أكبر مكاسب الحركة الوطنية المصرية عبر تاريخها ، ففي الواقع لم تشهد مصر عبر تاريخها انتخابات نزيهة تعبر حقيقة عن إرادة الشعب إلا مرات قليلة تعد علي أصابع اليد الواحدة ، فضلا عن أن الانتخابات في مصر تدار بطريقة لا تحقق المعايير السليمة لإجراء انتخابات حقيقية ، وبغض النظر عن التاريخ وشواهده ، فإن مصر عانت من سيطرة مطلقة للحزب الحاكم علي مدار أكثر من ثلاثين عاما تزور فيها الانتخابات بشكل منتظم ، غير أن النظام المصري كان دائما لا يميل إلي أكل الكعكة كلها ، ليس من قبيل الحرص علي الحياة السياسية وتطورها ، ولكن لأنها كان مدركا إقصاء المعارضين بشكل كامل ستكون نتائجه مضرة بشكل كبير ، فكان يكتفي بالحصول علي أغلبية مطلقة تمكنه من تمرير القوانين والسيطرة علي الحياة السياسية مع ترك مساحة للمعارضة "المستأنسة" للبقاء في حضن السلطة وإعطاء إيهام بأن التغيير عبر صناديق الانتخاب ممكن ، وإرسال رسالة للخارج بأن مصر بلد يوجد بها معارضة وإن كانت ضعيفة ، غير أن ما حدث في الانتخابات البرلمانية الأخيرة "نوفمبر 2010" كان خارج كل التوقعات ، فقد كان هناك توقعا بأن تعمل الحكومة علي إقصاء جماعة الإخوان المسلمين من البرلمان بعد حصولهم في الإنتخابات السابقة علي 88 مقعدا ، وهو بقدر ما مثل إزعاجا للنظام إلا أنه أفاده في تأكيد ثنائية " أنا أو الإخوان" والتي ظل يصدرها كفزاعة للداخل والخارج ، وكانت التكهنات تشير إلي أن نسبة مقاعد الإخوان أو ما يزيد قليلا سيتم توزيعها علي الأحزاب "الشرعية" وبعض المستقلين ، وكان ذلك بهدف تمهيد الطريق نحو عبور آمن لمشروع التوريث ، غير أن الذي حدث كان أكبر بكثير من أي توقع كان ، وإذا جاز التعبير فقد استخدم النظام "التزوير المفرط" تماما كما تستخدم إسرائيل القوة المفرطة ، كان التزوير فجا بدرجة غير محتملة فقد حصل الحزب الوطني الحاكم "الزراع السياسية للنظام" علي 97 في المائة من إجمالي مقاعد مجلس الشعب مقصيا بذلك كافة الأحزاب والتيارات خارج الملعب السياسي ، ومستأثرا بغباء سياسي يندر وجوده ليس بالكعكة فقط ولكن بالمائدة كلها ، الأمر الذي أدي كنتيجة مباشرة إلي انسحاب الأحزاب – فيما عدا حزب التجمع- والمستقلون والإخوان المسلمون من جولة الإعادة ، غير أن الغباء السياسي الذي يصل حد

الجهل لم يكن فقط في "التزوير المفرط" ولكن كان ايضا وبدرجة أكثر استفزازا في التباهي بنتائج تلك الانتخابات المزورة ، فخرج علينا رموز الحزب في الصحف وعبر الفضائيات يكيلون المديح للسياسة التي أدت للاكتساح المزعوم( ) ، بل خرج رأس الدولة نفسه يمتدح نتائج هذه الانتخابات ويسخر من المعارضين الذين  قرروا تشكيل برلمان مواز لمراقبة أعمال الحكومة بعدما سدت في وجوههم أبواب البرلمان الحقيقي ، فخرج الرئيس المخلوع في خطابه في افتتاح الدورة البرلمانية ليقول هازئا من فكرة البرلمان الموازي " خليهم يتسلوا" ، غير أن التأثيرات العميقة التي أحدثتها نتائج هذه الانتخابات لم تكن "تسلية" كما قال الرئيس المخلوع ، فقد أدت إلي عدة نتائج كانت جزء من التمهيد لثورة 25 يناير كان أول هذه النتائج هو توحيد صفوف الحركة السياسية المصرية في مواجهة نظام أدركوا أنه غير قابل للإصلاح ، كما أدت إلي توحدهم نحو هدف واحد فقد أصبح الجميع في سلة واحدة مطرودا من جنة النظام ومكتويا بناره ، وأدت أيضا نتائج تلك الانتخابات إلي التجمع حول فكرة الخلاص من النظام فقد أثبتت سنوات التهادن والشد والجذب إلي نهاية مؤلمة كانت أكبر من طاقة التيارات السياسية المصرية علي الاحتمال فقد كان الأمر مهينا بقدر ما كان قاسيا ، أشاعت نتائج الانتخابات في الشارع المصري إحساسا عميقا بالمهانة فقد رأي الناس أن النظام يتعامل معهم باعتبارهم بلا رأي وبلا أهمية يستطيع أن يزور كيفما شاء متأكدا من أن أحد لا يستطيع أن يقف في وجهه ولا أن يحاسبه ، لا قيمة للشعب من وجهة نظره فالشعب يبحث عن لقمة العيش ولا وقت لديه لترف السياسة ، وبقدر ما كان الإحساس بالمهانة كان الغضب المكتوم يتراكم منتظرا لحظة الانفجار ، لم يدرك النظام أن إقصاءه للمعارضة خارج البرلمان يقتضي بالضرورة وبطبيعة الأشياء أن تتجمع هذه المعارضة في الشارع ، حيث تجمعت القوي التي كانت متناقضة ومتناثرة ومشتتة ومتناحرة فلا ملجأ لها الآن إلا إليها ولا نصير لها إلا الشارع ، ومرة أخري راحت الأحداث تتفاعل ، والغيوم تتجمع منذرة بالمطر ، ومرة أخري كان النظام غائبا سكرانا هذه المرة بنشوة انتصار زائف .

4- الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر ، ولعل هذا الملف كان أخطر الملفات التي دفعت المصريين للثورة علي نظان مبارك ، فلم تشهد مصر عبر تاريخها عمليات إفقار وتخريب متعمد للاقتصاد الوطني ، مثلما حدث في عهد مبارك ، والغريب أن الرئيس الذي بدا عهده بمؤتمر اقتصادي للبحث عن حلول اقتصادية جادة وجذرية ، هو نفس الرئيس الذي تؤاجع في عهده الاقتصاد إلي حد الانهيار ، واندفعت طبقات اجتماعية إلي هاوية الفقر والبطالة والسقوط درجات كثيرة في السلم الاجتماعي ، فقد كشف تقرير أعده مركز دراسات وبحوث الدول النامية عام والصادر عام 2003  التقرير ان معدلات الفقر والبطالة والاقبال علي الانتحار وارتكاب الجريمة آخذة في التصاعد. ارتفعت معدلات البطالة من 8،1% عام 99 الي 9% عام 2000 ثم الي 9،9% عام 2003 لتمثل عشر القوة العاملة في مصر. وذكر التقرير ان أرقام البطالة الرسمية أقل من معدلاتها الحقيقية نظراً لاعتمادها علي المسجلين في مكاتب العمل ، وأكد التقرير الصادر حديثاً عن مركز دراسات وبحوث الدول النامية بجامعة القاهرة الذي تم توزيعه الاسبوع الماضي علي الوزراء والمسئولين في الحكومة ان هناك الكثيرين من العاطلين لا يسجلون في أسواق العمل وأن القطاع الاكبر منهم من حملة الشهادات المتوسطة (69،2%) يليهم حملة الشهادات العالية (21،05%) ثم حملة الشهادات فوق المتوسطة وأقل من الجامعي (6%) ليشكل حملة الشهادات المتوسطة وفوق المتوسطة والعالية الغالبية الساحقة من العاطلين (96،7%) ، كما أكد التقرير ان قضية بطالة الشباب اتخذت أبعاداً اجتماعية وسياسية قاسية وغير مألوفة منها تعدد حالات الانتحار بين الشباب واتجاه معدلات الفقر الي التصاعد. ذكر التقرير ان الدراسات تشير الي أن أعداد الفقراء كانوا يمثلون 16% من اجمالي السكان عام 99 ثم 20،4% عام 2002 (13،7 مليون شخص) أما عدد الذين يشعرون بأنهم فقراء فقد بلغ عددهم عام 2002 نحو 31،8% (21 مليون مواطن) وأضاف التقرير ان 26،4% من سكان الريف في مصر لا تصلهم المياه النقية في منازلهم بطريق مباشر. كما ان نسبة من لا يتوافر لهم مرحاض داخل المنزل علي الاطلاق تتراوح بين 3،6% من سكان الريف في الوجه البحري و1،5% في الوجه القبلي. وأن 25،8% من سكان الحضر عموماً و22،4% من سكان الريف يشكون من مشاكل في الصرف الصحي( ) ، أما الإحصاءات الرسمية الصادرة عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء الصادر في نوفمبر 2010 فيظهر أن معدلات البطالة خلال الربع الأخير من عام 2009 بلغ 9.4 % ورصد التقرير ارتفاعا في عدد المتعطلين حيث بلغ 2.375 مليون متعطل، بزيادة 17 الف عن الربع السابق من نفس العام ، بينما زاد عدد المتعطلين في الريف الى 6.7%، مقابل 6.1% في الربع السابق ، أما تقرير التنمية البشرية العربية الصادر في يوليو 2009 فقد أشار إلي أن معدل الفقر في مصر يبلغ 40 % من إجمالي عدد السكان ، وتجدر الإشارة هنا إلي أن الأرقام الحكومية تفتقر إلي الدقة ، حيث دابت الحكومات المصرية المتعاقبة في إخفاء الأرقام الحقيقية حول معدلات الفقر والبطالة في مصر ، كل هذه العوامل مضافا إليها إنعدام المساواة وعدم تكافؤ الفرص ، وسيطرة الرشاوي علي سوق العمل في مصر ، حتي أصبحت هناك "تسعير" لكل وظيفة تريد الحصول عليها ، وطالت هذه الأوضاع أماكن حساسة داخل الدولة المصرية مثل سلك النيابة العامة والإلتحاق بكليات الشرطة ، هذا الإفقار والتهميش الممنهج الذي مارسته السلطة في مصر ، أدي بطبقات كبيرة في المجتمع إلي التمحور حول كيفية الحصول علي لقمة العيش ، كما أدي بالكفاءات والعمالة المدربة إلي الهروب من جحيم الفقر إلي دول أخري يستطيعون فيها أن يحصلوا علي ما يكفل لهم الحياة الكريمة ، حتي وصل الأمر إلي رحلات الغرق الجماعي في محاولة للوصول إلي شواطئ أوربا للحصول علي فرصة للعمل والحياة الكريمة ، كانت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية تزداد يوما بعد يوم ترهق كاهل المصريين وتمتهن كرامتهم الإنسانية ، حتي لم تعد لكلمات مثل "العطل" "وساعات العمل المحددة" معني أو مكانا في قاموس المصريين ، ومن ثم ومع غياب عائل الأسرة في رحلة البحث عن لقمة العيش تهاوت المنظومة الأخلاقية للمصرين وصارت فكرة الأسرة المترابطة تتباعد يوما بعد يوم ، وتقل الروابط الاجتماعية والأسرية حتي تكاد تنعدم ، غير أنه في رأيئ أن الجريمة الكبري التي ارتكبها نظام مبارك في حق المصريين ، كانت هي إسقاط المنظومة الأخلاقية للشعب المصري ، وتحويل ما كان بالأمس "عارا" وجريمة نكراء إلي أمر اعتيادي وطبيعي بل إلي أمر يتم السعي إليه دون مواربة ، فقد كانت كلمات مثل "الرشوة" و "الاختلاس" تمثل في قاموس المصريين عارا لمن تلتصق به ، غير أن نظام مبارك حول هذه المفاهيم والسلوكيات المرفوضة اجتماعيا إلي شئ طبيعي لا غضاضة فيه ، بل أصبح ينظر إلي الشخص الذي يرفض أن يرتشي أو يختلس أو يخون الأمانة باعتباره شخص ساذج لا يعرف قوانين العصر ولا يتماشي مع ضرورات المرحلة ، لقد جعل النظام القيمة الحقيقية لأي شخص تقدر بقيمة ما يملكه من أموال بغض النظر عن مصدر هذه الأموال فلم يعد أحد يهتم أو يسأل ، تفاعلت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية لتصبح جبلا من الأعباء والمشكلات راحت قمته تتعالي يوما بعد يوم ، وكان لابد للجبل أن ينهار ، لكنه انهار هذه المرة علي رأس النظام الذي كان غافيا تحت سفحه .

5- نجاح الثورة التونسية ، كان لنجاح الثورة التونسية في إذاحة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي أثرا كبيرا علي اندلاع الثورة المصرية ، فقد اثبتت الثورة التونسية أن الجماهير قادرة علي التغيير ، وهي قادرة علي هذا التغيير بشكل سلمي ، كان هذا الدرس الذي جسدته الثورة التونسية يترآي أمام أعين المصريين الذين عانوا من ظروف مشابهة لتلك التي مر بها الشعب التونسي ، مع زيادة في جرعة القمع واتساع مساحات الفقر والتهميش السياسي والاجتماعي ، ولم تنجح نغمة "مصر ليست تونس" التي راح يرددها أقطاب النظام وأبواقه الإعلامية في إزاحة المشهد التونسي من الذاكرة الجمعية المصرية ، وعلي غرار ما حدث في تونس راح عدد من المواطنين المصريين يحرقون أنفسهم أمام مجلس الشعب ، احتجاجا علي أوضاعهم المعيشية  ، غير أن النظام مارس لعبة التجاهل وراح يردد أن هولاء ما هم إلا مرضي نفسيون ، وأوعز إلي المؤسسة الدينية لإصدار فتوي تحرم قتل النفس ، وعلي الرغم من هذه المحاولات اليائسة فقد مضت الأحداث في طريقها المرسوم .

25 يناير .. مفاجأة الخروج الكبير

"نحن الذين وقفنا وقد طمس الله أسمائنا" ( )

مشهد الخروج الكبير:

نهار / خارجي

وصف المشهد

في ذلك النهار مصر كلها تقف علي أطراف أصابعها

الأمن حشد قواه لإجهاض التحرك الشعبي المنتظر ، والداعون للتظاهر

يحشدون أكبر عدد ممكن لمواجهة القمع الأمني

ومصر تبدو حبلي بما لم يتوقعه أحد

صباح يوم 25 يناير بدأ كل شئ مألوفا وعاديا قوات الأمن تنتشر بكثافة لقطع الطريق علي الاحتجاجات ، وإن كان اليوم قد سبقه بعض أحداث احتجاجية في عدد من المحافظات ما دعي صحيفة المصرية اليوم تصف هذه الاحتجاجات بأنها بروفة "ليوم الغضب"( ) ففي القاهرة والجيزة خرج ععد من العمال وسائقو التاكسي والموظفين يطالبون بالتعيين والتثبيت والمكافآت ورفع الأجور، ومطالب أخرى ، وفي بورسعيد، شهد ميدان الشهداء المواجه لديوان عام المحافظة ٤ وقفات احتجاجي ، كانت أعداد المتظاهرين في صباح 25 يناير في إطارها الطبيعي وإن زادت بعض الشئ نتيجة الدعوات المكثفة علي مواقع الانترنت ، تجمعات في عدة أماكن بالقاهرة تحاصرها كالعادة أعداد كبيرة من قوات الأمن المركزي لضمان تطويقها وعدم نزولها للشارع وتحول الوقفات إلي مسيرات ثم تجمعات كبيرة ، هتافات تطالب بالحرية والإصلاح ، وبعضها يهتف بسقوط الرئيس مستخدمين الهتاف الذي أطلقتها حركة كفاية منذ 2005 " يسقط يسقط حسني مبارك" ظلت الأوضاع هادئة واعتيادية حتي منتصف النهار ، عندما اندفعت أعداد كبيرة من المتظاهرين  للانضمام إلي الاحتجاجات ، فقد خرجت للمرة الأولي مظاهرات من الأحياء الشعبية " بولاق – إمبابة – أرض اللواء - المطرية" كما خرجت مظاهرات ضخمة في الإسكندرية الغربية والشرقية ودمياط والإسماعيلية والدقهلية والبحر الأحمر وأسيوط وبنى سويف وأسوان والقليوبية والفيوم وشمال سيناء والسويس وكفر الشيخ والبحيرة ، ونجح المتظاهرون في القاهرة في كسر الطوق الأمني والاندفاع نحو الشوارع مستغلين ارتباك الأمن ومفأجاته من جراء الحشود الكبيرة التي خرجت ولم يكن يتوقعها بهذا الحجم ، فقد قدرت أعداد المتظاهرين وفقا لصحيفة الشروق المصرية بـ 150 ألف متظاهر في القاهرة وحدها وعشرات الألاف في المحافظات المختلفة ( ) ، غير أن هذا الخروج الكبير الذي أحدث النقلة النوعية في مسار الأحداث يحتاج إلي قراءة متأنية ، فكما أسلفنا قدرت أجهزة الأمن عدد المتظاهري المتوقع خروجهم بـ 15 ألف متظاهر في كافة أنحاء الجمهورية ، وقدر أصحاب الدعوة الأعداد بما يفوق ذلك بضعفين ، واللافت أن دعوة سابقة أطلقها 7000 ناشظ علي الانترنت للتظاهر لم يحضرها سوي 700 منهم أي أن الداعون إلي المظاهرة لم يحضر إلا عشرهم فقط ، ومن هنا فإن مفأجاة الخروج الكبير تحتاج إلي قراءة وتفسير ، ولا يفسر هذا الخروج سوي تأكد الشعب من أن كل المنافذ صارت مسدودة نحو تغير سلمي للسلطة يأتي من داخلها ويقوده النظام القائم ، فقد تجاهل هذا النظام عبر السنوات العشر الأخيرة بالذات كل الدعوات العاقلة لاتخاذ خطوات إصلاحية تسير بالبلاد نحو انتقال سلمي  ، كما كان اقتراب مخطط التوريث من التنفيذ مع غموض موقف المؤسسة العسكرية من هذا المخطط دافعا آخر لخروج الناس بهذه الكثافة لمواجهة هذه الفكرة التي كانوا يرون أنها مهينة لشعب بتاريخ وحضارة الشعب المصري ، أيضا تحققت مفأجاة الخروج الكبير بسبب انتصار النموذج التونسي  ونجاحه في التغيير عبر التغيير بالناس ، لقد أدرك الناس أنهم قوة لا يمكن الوقوف أمامها ، وما أدي أيضا إلي تصاعد حركة الاحتجاج يوم 25 يناير كان النجاح في مواجهة قوي الأمن وكسر حاجز الخوف من هذه المواجهة وانقلاب ميزان القوي لصالح المتظاهرين بعد أن تدفقوا بأعداد يصعب السيطرة عليها أو تطويفها ، وعلي الرغم من نجاح قوات الأمن في فض الاعتصام الذي بدا في ميدان التحرير مساء يوم 25 يناير باستخدام ٢٠٠ سيارة مصفحة، وما يقرب من ٥٠ أتوبيس نقل عام، وأكثر من ٣ آلاف من قوات مكافحة الشغب، و١٠ آلاف جندى أمن مركزى واستخدام القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، واستمرت عمليات فض الاعتصام حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي ( ) ، إلا أن المفاجأة كانت قد وقعت بالفعل ، وأيقنت جموع الجماهير الثائرة قدرتهم علي التصدي لجحافل الأمن ومواجهتهم ، كسر حاجز الخوف إذن ولم يعد ممكنا الوقوف في وجه جموع ثائرة ، ضاقت بالأوضاع القائمة ولم تعد تحتمل الحلول الوسط أو المواقف المائعة .

26 و 27 يناير معارك الكر والفر

"لكن السويس كان لها رأي آخر" ( )

كان يمكن لمفأجاة الخروج الكبير يوم 25 يناير أن تنتهي في تلك الليلة ، بعد أن نجح الأمن في فض اعتصام التحرير بالقوة ، لكن المفأجات لم تكن انتهت بعد ، ففي الليلة نفسها حملت السويس – قلعة المقاومة الشعبية ضد العدو الإسرائيلي- مفأجاة أخري لا تقل أهمية عما حدث في القاهرة ، ففي تلك الليلة العصيبة حدثت مواجهات دامية مع قوات الأمن بما يشبه حرب الشوارع ، وسقط في المدينة الباسلة أربعة شهداء بعد أن رفض المتظاهرون قبول الأمر الواقع والرجوع إلي بيوتهم ، كان سقوط الشهداء الأربعة تغيرا مفصليا في تصاعد الأحداث ، فقد ابت السويس التي قدمت مئات الشهداء في حروب مصر ضد العدو الإسرائيلي وقبلها ضد الاستعمار البريطاني والعدوان الثلاثي ، أن تنهزم أمام جحافل المستبد المحلي ، كان سقوط قتيل أو حتي عدد كبير من الإصابات في السابق يؤدي إلي انحسار التظاهر والسعي إلي عدم الدخول في مواجهة غير متكافئة ، غير أن السويس التي اعتاد أهلها تقديم الشهداء ، وارتوت أرضها بدمائهم الذكية ، لم يفت في عضدها تلك الوحشية البوليسية ، بل أججت دماء الشهداء الأربعة الاحتجاجات في المدينة التي أصبح لها ثأر لدي السلطة الحاكمة وهي تريد الآن أن تأخذ ثأرها ، غير أن رائحة الدم ومفأجاة الصمود في السويس لم تقتصر تداعياتها علي المدينة وحدها ، فمع تواتر الأنباء عن سقوط الشهداء الأربعة والصمود البطولي لأهل السويس ، اصبح الثأر ثأر المصريين جميعا ، ففي اليوم اليومين التاليين خرج مئات الألاف في أنحاء الجمهورية ينادون هذه المرة بسقوط النظام ، فلن يقبل المصريون ان يحكم مبارك فوق جثث أبنائهم ، وتواصلت المفأجاة الصاعقة لم يرهب المصريون استخدام النظام لآلة القمع ، ورغم حصار الأمن لشوارع وميادين العاصمة، ووقعت اشتباكات بين مئات المتظاهرين وقوات الأمن أمام دار القضاء العالى، وحاصر الأمن العشرات داخل نقابة الصحفيين، والمئات فى نقابة المحامين. وفى وقت لاحق اندلعت، مساء أمس، مواجهات عنيفة بين الشرطة ومئات المتظاهرين فى مناطق عدة بالقاهرة، أبرزها شارع الجلاء وميادين روكسى والعتبة وعبد المنعم رياض. واستخدم الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطى لتفريق المتظاهرين، وأصيب عدة متظاهرين ونقلوا إلى المستشفيات لتلقى العلاج ، وفى شمال سيناء، تجمع لليوم الثانى على التوالى عشرات المتظاهرين بقرية المهدية جنوب رفح، وقطعوا طريق العريش الدولى، وشهدت مدينة الشيخ زويد وقفة طالب خلالها المحتجون بالإفراج عن المعتقلين ،وشهدت محافظات الإسكندرية والدقهلية والقليوبية وبنى سويف ودمياط مظاهرات محدودة، وإن تصاعدت فى دمياط التى شهدت اشتباكات انتهت بتفريق المتظاهرين. ( )

استمرت حالة الكر والفر بين المتظاهرين وقوات الأمن طوال هذين اليومين وشهد يوم الخميس 27 يناير انخفاضا نسبيا في أعداد المتظاهرين ، إلا أن الشواهد كانت تقول أن يوم الجمعة سيكون يوما حاسما ، فقد انطلقت الدعوة لما عرف بـ "جمعة الغضب" .

28 يناير .. السقوط الكبير

"عساك تشوف بعنيك مصير الرجال المنفوخين في السترة والبنطلون" ( )

في ذلك اليوم المشهود تأكد الجميع أن أحداث ذلك اليوم ستكون فاصلة ، فإما أن تكتمل المفأجاة ويخرج ملايين المصريين في جمعة للغضب ، وإما أن يتحول إلي يوم احتجاجي عادي ، لكن المؤشرات كانت تؤكد أن الخروج سيفوق كل توقع ، فقد زادت أعداد الشهداء والمصابين خلال اليومين الماضيين ، كما أن النظام مارس غباءه المعهود وقام بقطع الاتصالات والانترنت في محاولة يائسة لتقليل أعداد المتظاهرين ، المدهش أنه قام بقطع الاتصالات والانترنت في مساء يوم الخميس 27 يناير بعد أن كانت الدعوة قد وصلت بالفعل إلي عموم الناس ، بل ونشرت في الصحف ، وكان هذا القرار دافعا لتدفق مزيد من المتظاهرين إلي الشوارع فلم يعد مجديا الآن الجلوس في مقاعد المتفرجين بعد أن تم قطع البث .

خرجت الجماهير بالفعل بأعداد مهولة تعدت حاجز المليون متظاهر في القاهرة وحدها ، ومئات ألاف أخري خرجوا في المحافظات المختلفة ، ووقعت اشتباكات عنيفة بين الأمن والمتظاهرين فى عشرات المدن، كما أشعل المتظاهرون النار فى أقسام شرطة السيدة زينب بالسيدة زينب، والأزبكية بشارع رمسيس والخليفة بمنطقة القلعة. وفى الجيزة تظاهر الآلاف واحتجزوا وحدة من قوات الأمن المركزى تضم ٣٠ عسكرياً وضابطاً فى أحد العقارات المجاورة لمبنى المحافظة، وحطموا سيارة أمن مركزي، مما تسبب فى إصابة عدد من الجنود.

انهكت قوات الأمن بعد استنفاذ قواها ونفاذ ذخيرتها خلال ثلاثة أيام متواصلة من المظاهرات والمواجهات ، فكان الانسحاب من الشوارع بعد يوم لم تشهد له مصر مثيلا ، ومع المساء كانت قوات الجيش تنزل إلي الشوارع ، وكان المتظاهرون يحتلون ميدان التحرير ، وكانت مصر تخلع عنها رداء القهر والاستبداد وتنظر إلي مستقبل يليق بتاريخها وحضارتها .


Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv