17 اغسطس, 2017
07:26 م
   
  حوار مع  
الدكتور نبيل رشوان خبير الشئون الروسية
  الاربعاء 25 يناير, 2017  
   


أكد حرص مصر على العلاقات الطيبة بكافة الأطراف الليبية

الدكتور نبيل رشوان خبير الشئون الروسية:

لهذه الأسباب زارت حاملة الطائرات الروسية ليبيا

• روسيا تعتبر حفتر حليف المرحلة وتسعى من خلال ليبيا إلى تطويق أوروبا والـ«ناتو» من الجنوب

• موسكو تعهدت بإحياء «صفقات القذافي» إذا رفض مجلس الأمن رفع حظر تسليح الجيش الليبي

• على غرار مساندة الأسد.. بوتين وعد حفتر بتقديم الدعم اللازم مقابل التعاون في كافة المجالات 

• براجماتية «الدب الروسي» حرضت على تعويض خسائر العقود الاقتصادية الموقعة مع ليبيا القذافى


حوار: محمد نعيم

انفتحت الأزمة الليبية على تطور جديد، يشي بإقبال الجانب الغربي من حدود مصر على تحولٍ، ربما يتحكم الدب الروسي في مفاصله خلال الأيام المقبلة، فموسكو التي انفردت نسبياً بالملف السوري، تواصل ترسيخ أقدامها في المنطقة، وتقترب من إحياء حلم الماضي، الرامي إلى الاستمتاع بمياه البحر المتوسط الدافئة، ولعل ذلك كان واضحاً، حينما اختارت حاملة الطائرات الروسية العملاقة الأدميرال كوزنتسوف الانتظار في المياه الإقليمية الليبية قبل إبحارها في طريق العودة من سوريا إلى مقاطعة مورمنسك فى روسيا حيث موقع تمركزها الدائم.. الحدث المفاجئ حمل رسالة مباشرة، تردد  صداها في الجانب الغربي من ليبيا حيث حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، وفرض علامات استفهام وتحسب لدى أوروبا، وألقى بظلال الريبة في ملعب  الـ«ناتو»، بينما ظل الموقف الأمريكي غامضاً حيال هذا التطور.

وعمد الروس إلى تفعيل رمزية زيارة حاملة الطائرات، عندما تلقى المسيطر على شرق ليبيا وبنغازى عسكريا وإداريا المشير خليفة حفتر دعوة للاجتماع برموز القوات المسلحة الروسية على متن الحاملة، وعلى بعد أمتار من الساحل الليبي قام القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية بجولة في الحاملة، وعبر شاشة الفيديو كونفرانس،  أجرى محادثات مع وزير الدفاع الروسي سرجى شويجو، وهو الأمر الذي اعتبره المراقبون انحيازاً عسكرياً روسياً  للجيش الوطنى الليبى.

من تلك الزاوية يستهل الدكتور نبيل رشوان متخصص الشئون الروسية حديثه عن تطور العلاقات بين موسكو وليبيا الشرق، مشيراً إلى أن التقارب الروسي الليبي لا يقتصر على المصالح العسكرية فقط، وإنما ينصب على المصالح الاقتصادية، التي ترغب موسكو في إنعاشها، لاسيما بعد تجمُدها، تزامناً مع رحيل نظام القذافي. ويسهب رشوان في شرح أبعاد القضية برمتها في السطور القادمة. 

في البداية، ما الذي جرى على متن حاملة الطائرات الأدميرال كوزنتسوف بين الروس وحفتر؟

ناقش الجانبان الروسى والليبى على ظهر حاملة الطائرات عدد من قضايا الشرق الأوسط الحالية وعلى رأسها الإرهاب الدولى والمجموعات الإرهابية فى ليبيا، وتم تسليم حفتر شحنة من الأدوية ومعدات طبية هامة لعمليات الإسعافات الأولية، وسبق هذا التطور أواخر عام 2016 زيارة رسمية، قام بها المشير حفتر إلى موسكو، التقى خلالها بوزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو، وسكرتير مجلس الأمن القومى سيرجى باتروشوف، ووزير الخارجية لافروف. الهدف الأساسي للزيارة آنذاك، هو توجه حفتر للرئيس الروسى بوتين ووزير الدفاع شويجو بطلب تزويد ليبيا بالسلاح، غير أن المسئولين الروس أشاروا إلى قرار مجلس الأمن بهذا الخصوص، الذى يمنع تصدير السلاح لمناطق النزاعات ومنها ليبيا، غير أن المسئولين الروس وعدوا بتلبية الطلب الليبى على أساس محاولة عرض الأمر على مجلس الأمن وفى حال الرفض سوف تلجأ روسيا إلى تنفيذ العقود القديمة التى كانت موقعة مع نظام القذافى، وطلب حفتر إرسال خبراء عسكريين روس إلى ليبيا لتدريب أفراد الجيش الوطنى الليبى، فى حالة رفع الحظر عن تصدير السلاح لليبيا.

في إيجاز سريع صف لنا واقع الأزمة الليبية وعلاقتها بالخارج؟

بعد سقوط القذافى عام 2011، ومن ثم اندلاع حرب أهلية فى البلاد، انقسمت ليبيا لتسيطر عليها حكومتان: واحدة تابعة للإسلاميين وموالية للمؤتمر الوطنى العام فى طرابلس والذى يعرف ببرلمان طرابلس. والحكومة المنتخبة ديموقراطياً فى طبرق. وفى 17 ديسمبر 2015 وبدعم من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى تم تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة فايز سراج مقرها طرابلس، إلا أن الجيش الوطنى الليبى بقيادة خليفة حفتر لم يخضع لحكومة طرابلس، وتحالف مع برلمان طبرق.

من هنا بدأ الصراع الدولي على ليبيا حيث يعترف الغرب بحكومة السراج فى طرابلس، إلا أنه فى الفترة الأخيرة بدأت دول الغرب تفقد ثقتها تدريجياً فى حكومة السراج، ولا يستبعد بعض المراقبون أن ينحاز الرئيس الأمريكى الجديد لخليفة حفتر، الذى أظهر فى الفترة الأخيرة نجاحات ليس فقط على المستوى السياسى ولكن العسكري، فضلا عن أنه يضع على رأس أولوياته مكافحة الإرهاب، كما أن المشير حفتر يسيطر تقريباً على ثروة ليبيا النفطية. وربما يكون الحافز الأكثر لتغيير ترامب موقفه من حفتر هو سرعة الخطوات التى يقوم بها الأخير للتقارب مع موسكو، لاسيما في ظل المعطيات التي تؤكد زيارة حفتر السرية إلى موسكو نهاية ديسمبر الماضى، بالإضافة إلى زيارتين قبل ذلك خلال العام المنصرم.

مصر.. روسيا.. حفتر.. السراج.. الولايات المتحدة، من البوابة البراجماتية، حدثنا عن علاقة تلك الخماسية بالأزمة الليبية؟  

في الحقيقة تصاعدت وتيرة الأزمة الليبية فى الفترة الأخيرة، فمن ناحية الشرق الجيش الوطنى الليبى وبرلمان طبرق وحفتر تؤيدهم مصر، التى لها علاقات جيدة مع طرفى النزاع، ويؤكد ذلك زيارة السراج للقاهرة ولقاء الرئيس السيسى، بُعيد زيارة المشير خليفة حفتر لحاملة الطائرات الروسية. فمصر التى تمتد حدودها لأكثر من ألف كيلومتر مع ليبيا حريصة على وجود علاقات طيبة بكافة الأطراف الليبية، وتسعى لحل المشكلة سياسياً بتوافق بين جميع الأطراف، وروسيا التى ترى فى حفتر حليف فى المرحلة الحالية أيضاً لها علاقات مع حكومة الوحدة الوطنية وهدفها استراتيجى اقتصادى، والأهم هو تطويق أوروبا والناتو من الجنوب رداً على توسع الناتو شرقاً بالقرب من حدودها، ومن غير المستبعد أن يتحول الأمر إلى مواجهات بالوكالة بين روسيا والولايات المتحدة، فروسيا بسلاحها ومستشاريها إلى جانب المشير حفتر، والولايات المتحدة إلى جانب حكومة الوحدة الوطنية فى طرابلس بسلاحها ومستشاريها.

ما الذي يعنيه أو يترتب عليه تسارع خطوات حفتر نحو موسكو؟

تسارع خطوات حفتر نحو موسكو فرض عدد من المعطيات الجديدة على الساحة الليبية، أولها: المساعدات الأمريكية الكثيفة لما يسمى بقوات «البنيان المرصوص»، التى حررت القوات سرت من تنظيم الدولة بدعم جوى أمريكي، وفى وجود خبراء أمريكيين على الأرض، وهو الأمر الذى من الممكن أن نعتبره إشارة  لقرب مواجهة بين الجيش الوطنى الليبى بقيادة حفتر وحكومة الوحدة الوطنية، لاسيما أن قوات تابعة لحفتر سبق وساهمت في  تحرير سرت. ثانياً نزول قوات خاصة أمريكية فى طرابلس مما يشى برغبة أمريكية فى التدخل الجاد فى الملف الليبى بعد أن تم تهميش الدور الأمريكى تماماً فى الأزمة السورية. ثالثاً تكثيف الدعم الأمريكى فى أواخر أيام أوباما قد يغرى الرئيس ترامب بالانغماس أكثر من منطلق انفراد روسيا بالملف السورى وعدم حدوث تقدم فى الملف الأوكرانى، بل إن روسيا كثفت من وجودها العسكرى فى القرم وحذرت من تحرشات أمريكية أو لحلف الناتو فى بولندا والبحر الأسود.

وما المصالح التي يعكسها الانغماس الروسي على وجه الخصوص في الملف الليبي؟

كان لروسيا علاقات وثيقة بليبيا القذافى، وهى تريد العودة بالفعل للشرق الأوسط، خاصة أن قواعدها فى سوريا من الممكن أن تكون أحد الأجنحة، ومن المفيد لها أن تمتلك جناحاً ثانياً فى ليبيا، ولذلك قابلت خطوات حفتر اللاهثة تجاهها بالترحاب، لاسيما أنها فى ذات الوقت تمتلك علاقات جيدة مع الطرف الثانى وهو حكومة الوحدة الوطنية فى طرابلس، فقد زار رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية بطرابلس موسكو بعد حفتر، ولا تنكر موسكو أنها تعمل مع كافة القوى الليبية مع فايز سراج واحمد معيتق، من مجموعة طرابلس، كما تعمل مع برلمان طبرق والجيش الوطنى الليبى بقيادة حفتر، فى مسعى براجماتى خالص من جانب روسيا لتعويض خسائرها بعد الإطاحة بالقذافى، خاصة أن موسكو خسرت عقود كبيرة كانت قد وقعتها مع ليبيا القذافى على سبيل المثال لا الحصر بناء خط السكك الحديدية سرت - بنغازى بطول 554 كم وبتكلفة تقدر بـ 2,2 مليار دولار، ناهيك عن عقود غاز «بروم» و«لوك أويل»، وهى شركات النفط والغاز الروسية التى تطمح أن يكون لها نصيب من النفط والغاز الليبيين.

أضف إلى ذلك أن روسيا تريد أن ترد على الخديعة التى تعرضت لها عند التصويت على قرار مجلس الأمن، عندما امتنعت عن التصويت لإنشاء منطقة حظر جوى ولم تستخدم الفيتو، إلا أن الناتو قام بقصف ليبيا وأطاح بالقذافى، وهو الأمر الذى لم تكن روسيا مؤيدة له.

برأيك، ما الذي تعول عليه روسيا عسكرياً في ليبيا بصرف النظر عن الفائز في المواجهة المتوقعة بين الجيش الليبي وحكومة السراج؟ 

تعول موسكو على أن تصبح ليبيا «زبوناً جيداً» لشراء أسلحة روسية بصرف النظر عمن سيفوز فى المواجهة بين طرابلس وبنغازى، فرغم سريان العقوبات التى كانت مفروضة على ليبيا قبيل الإطاحة بالقذافى، إلا أن تعاقد ليبيا على شراء كميات ضخمة من السلاح مازال قائماً، وقد تخرج تلك الصفقات إلى حيز التنفيذ حال العثور على مخرج قانونى، أى أنه أمام روسيا فرصة جيدة لكسب مشترى للأسلحة الروسية.

وهنا تجرى المفاضلة بين طرفى النزاع في ليبيا، فموسكو تعتبر حفتر هو الأنسب فى التعامل، وذلك ليس لأنه درس فى روسيا، ولكن لأنه ليس إسلامى متطرف، ويحظى بدعم قبائل برقة وعدد كبير من الوحدات العسكرية، فضلاً عن معاداته بشدة لـ«داعش» والمجموعات المسلحة فى طرابلس، والأهم أنه حليف مصر الأوفى على حدودها الغربية وله علاقات وثيقة بالرئيس عبد الفتاح السيسى، لدرجة أن الجزائر وفى إطار محاولاتها لعب دور فى الملف الليبى، حاولت أن تتوسط بين المشير حفتر وبين حكومة الوحدة الوطنية فى طرابلس، إلا أن المشير حفتر رفض ذلك بشدة قائلاً: «لن أجلس مع الإسلاميين على طاولة واحدة»، وهنا تختلف روسيا مع الجزائر التى تريد أن ترى حفتر فى الحكومة الوطنية، وجاء ذلك على لسان نائب وزير خارجيتها جينادى جاتيلوف الذى قال إن روسيا لن تعترف بحكومة الوحدة الوطنية التى أحضرتها الجزائر من تونس إلى طرابلس، وأعلنت أنها سوف تتعامل مع المشير حفتر، رغم ما تنطوي عليه سيرته الذاتية من ملحوظات (من وجهة نظر روسيا)، لكنه على الأقل ليس إسلامياً متطرفاً وهو ما يتماشى مع الاتجاه الروسى فى محاربة الإرهاب بالشرق الأوسط. وقواته تسيطر على المناطق النفطية حالياً.

ضلوع الدب الروسي المباشر في الأزمة الليبية يشي بمناكفات غير معلنة مع أوروبا، فهل تضعنا في تلك المناكفات، وما انعكاساتها الإيجابية على موسكو؟

المناكفات معلنة وليست سرية، فرغم أن روسيا حلت محل ليبيا فى توريد الغاز والنفط إلى إيطاليا وكان هذا أفيد اقتصادياً بالنسبة لروسيا، إلا أن المكاسب الأخرى التى قد تحصل عليها روسيا حال انتصار حليفها المشير حفتر أكبر بكثير، فبالإضافة للجوانب الاقتصادية من مشاركة فى مشروعات تنموية إلى تصدير سلاح، إلى إحياء اتفاقيات نفط وغاز وقعت من قبل، هناك عنصر أهم وهو الضغط على أوروبا من جهة الجنوب، رداً على ضغط أوروبا على روسيا من جهة الغرب من خلال توسع حلف الناتو على حساب دول الاتحاد الأوروبى، كما أن الخطوات الروسية الرامية إلى خلق موطئ قدم فى ليبيا، تستدعي القلق فى أوروبا، فالقاعدة الروسية فى طرطوس ليست بعيدة عن قناة السويس، ثم إنه حال تمركزها فى قاعدة بليبيا، فلا يعني ذلك إلا وجود قاعدة ثانية من جناح آخر، بالقرب من مصدر نفطى هام بالنسبة لأوروبا، وينطوي ذلك بالتأكيد على إزعاج شديد لأوروبا والناتو.

ما الذي وعد به الروس المشير خليفة حفتر في ليبيا؟

تعبير الوعود جيد جداً وفي موقعه، إذ وعد المسئولون الروس بالفعل المشير حفتر بتقديم كافة أنواع الدعم، على غرار ذلك الذى قدمته موسكو للرئيس السورى بشار الأسد، مقابل تعاون بناء بين البلدين فى كافة المجالات، بما فى ذلك الحديث عن قاعدة أو تواجد روسى فى أجدابيا أو فى منطقة بنغازى، نظراً لصعوبة تمرير هذا السيناريو فى مصر. 

وفى كل الأحوال الأمر بدأ بزيارة لحاملة الطائرات «الأدميرال كوزنيتسوف»، للشواطئ الليبية فى طريق عودتها إلى بلادها، وربما تعبر هذه الزيارة عن انحياز روسيا إلى جانب المشير حفتر فى النزاع الليبى الحالى، وفى نفس الوقت ربما أرادت روسيا أن تقول للقوات الخاصة الأمريكية التى تمركزت فى طرابلس: «نحن هنا ولن يمر الأمر هكذا».

لماذا تستبعد توافق الموقفين الروسي والأمريكي في ليبيا؟

التوافق بين القطبين حول ليبيا قائم وغير مستبعد بالمرة، فمن الممكن أن يتفق الجانبان الروسى والأمريكى ويجدان صيغة للتعاون فى ليبيا، خاصة بعد أن انفردت روسيا بالملف السورى تماما، أو يكون الاتفاق قائماً على نظرية «لكم سوريا ولنا ليبيا». لكنني أتصور أنه مادامت روسيا أرادت التواجد فى الشرق الأوسط، فإنه لا غنى لها عن ليبيا، لمواجهة تضييق الناتو عليها من جهة الغرب، بالضغط من الجنوب على أوروبا، لا سيما أن روسيا نشرت صواريخ S-400 فى شبة جزيرة القرم، لمواجهة التواجد الأمريكى ولحلف الناتو فى البحر الأسود، وهو ما تعتبره موسكو نوعاً من التحرش العسكرى.



 





   


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv