
الأحد 25/07/2010
مبنى كبير، وعريق ، يقطن على ضفاف النيل ، ليستقي منه ، ويرويه بعراقة وإبداع تلك الشعب ، ويحتفل هذا العام باليوبيل الذهبي له ، ليُعلن بكل شموخ من موقعه ، استكماله للمسيرة والعطاء.
كعادتها كانت مصر رائدة في حقل هام داخل أروقة المجال الإعلامي ، عندما تقدمت العالم العربي بأثره في إطلاق تلفزيونها ، الذي يعد من أعرق وأقدم وسائل البث التلفزيوني في العالم العربي .
مر نصف قرن على إطلاق التلفزيون المصري ، الشاشة الصغيرة ، التي شهدت على مدى أعوامها الخمسين ، ولا تزال ، تطورًا غير محدود ، لتؤكد أن الرموز الإعلامية التي تذخر بها مصر ، قامت على هذا العمل ليلُوح في الأفق ، كأكبر وأرقى الأعمال.
شهدت مصر الإشارة الأولى لبث أقوى وسائط الإعلام في العصر الحديث، وأكثرها تأثُرًا وتأثيرًا، حيث شهد التلفزيون المصري أحداث حقبة مهمة عاشتها مصر ، فغدا مُتفاعلاً مع أحداث الشارع المصري ، يحكي تاريخه ، ويروي همومه .
اتُّخِذَ قرار بدء البث التليفزيوني المصري في أواسط الخمسينيات، إلا أن العدوان الثلاثي على مصر تسبب في تأخير العمل في إنشاءه حتى أواخر 1959.
ووقعت مصر عقدا مع هيئة الإذاعة الأمريكية (RCA)، وبالفعل تم الانتهاء من إنشاء مركز الإذاعة والتلفزيون في 1960م.
انطلق البث التلفزيوني المصري في يوم 21 يوليو/تموز من عام 1960م، في تمام الساعة السابعة مساءً ، فغطَّى مدينة القاهرة والمناطق المحيطة بها، حتى مسافة مائة كيلو متر في جميع الاتجاهات.
وتزامن بدء الإرسال مع الاحتفالات بالذكرى الثامنة لثورة 23 يوليو/تموز، وكان البث لمدة خمس ساعات، وافتُتِحَ بتلاوة آياتٍ من القرآن الكريم، ثم الانتقال لإذاعة خارجية حيَّة لإذاعة حفل افتتاح مجلس الأمة، وخطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على الهواء مباشرةً، وأعقب ذلك إذاعة نشيد "وطني الأكبر"، ثم نشرة الأخبار، مث اختُتِم بالقرآن الكريم.
بدأ التلفزيونُ المصري إرساله بقناةٍ واحدة؛ أَطلَق عليها "البرنامج الأول"، بإشراف الإعلامي الراحل صلاح زكي ، حيث كان يتم استقبالُها بتوجيه المؤشِّر الموجود بجهاز التلفزيون إلى رقم «5»، وبلغ زمن إرسالها 6 ساعات يوميًّا؛ يبدأ في السابعة مساءً، ويستمر إلى ما بعد منتصف الليل بقليل ، وتمثَّل هدفُها في الوصول إلى القاعدة العريضة من أبناء الشعب، وإمدادِها بالأخبار المحلية ،والدولية، والبرامج الخدمية والرياضية ،وبرامج المرأة والثقافة العامة ،والمواد الترفيهية.
وبعد عامٍ واحد ، أَطلق التلفزيون قناته الثانية تحت اسم "البرنامج الثاني"، وبإشراف الإعلامية الراحلة همت مصطفى، وكان يتم استقبالُها بتوجيه مؤشِّر جهاز التلفزيون إلى رقم «9»، وارتفع عدد ساعات بث القنوات إلى 13 ساعة يوميًّا ، وتمثَّل هدفُها في أن تكون نافذة على الثقافات الأجنبية بألوانها وفنونها المختلفة.
وبعد حفنة من السنين ، بدأ إرسال القناة الثالثة تحت اسم "البرنامج الثالث"، وبإشراف الإعلامية الراحلة تماضر توفيق، وكان يتم استقبالُها بتوجيه المؤشِّر إلى رقم «7»، فوصل متوسط ساعات الإرسال إلى 20 ساعة يوميًّا ، والتي كان إرسالُها لا يُلتقَط إلا في القاهرة وما حولها فقط ، وقد تخصَّـصتْ تلك القناة في تقديم الثقافة الرفيعة؛ حتى تقرر وقفُها في عام 1970م، وتوجيه الموارد للمجهود الحربي ، وقد عاودت "القناة الثالثة" البثَّ من جديد في أوائل ثمانينيات القرن الماضي.
ثم ما لبثت أن تضاعفت ساعات الإرسال شيئًا فشيئًا لتصلَ إلى ما بين 25 و30 ساعة يوميًّا للقنوات الثلاث مجتمعةً.
ومن الأسماء التي حملت الفضل في إنتاج تلك العمل ، وتطويره ، بالتعب والكفاح ، والتي صنعت التليفزيون فصنعها هو ، وخلَّد ذكراها : المهندس محمد محمود عرفة الزيان، حسين عنان، عبد الحميد يونس، تماضر توفيق، همت مصطفى، حسن حلمى، سعد لبيب، والمهندس صلاح عامر، المهندس محمود كشك، والإعلاميون أحمد فراج، وصلاح زكى، وسلوى حجازي، وأماني ناشد، ورشا مدينة، وسميحة عبد الرحمن، والمعلق الرياضى كابتن محمد لطيف، والمخرجون السيد بدير، ونور الدمرداش، ومحمود مرسى، وحسين كمال، ومحمد سالم، وفهمى عبد الحميد، ومحمود رحمي، وصالح مرسى، أسامة أنور عكاشة .
بعد عامين من افتتاح التليفزيون في يوليو عام 1962 كان القطار المتجه إلى أسوان ، ينقل الشرائط الخاصة ببرامج التليفزيون المصري ، لبثها في محطة إرسال أسوان ، كمحاولة لتعميم الإرسال لتغطية المناطق النائية، حيث كان بإمكان سكان الأقاليم مشاهدة ثلاث ساعات من إرسال التلفزيون.
وفي 13 أغسطس 1970م ، تم إنشاء المرسوم الجديد لاتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري (ERTU)، مع تصميم أربعة قطاعات: الإذاعة، والتلفزيون، والهندسة ، والتمويل ، ولكل قطاع عُيِّن رئيس يعود في النهاية لوزير الإعلام .
ومن ذلك الحين ، والتليفزيون المصري ماضٍ في تقدمه ، وعطاءه ، يتطور بخطًا ثابته ، ويُنتج الإعلاميون والنجوم ، التي تصل أحيانًا إلى العالمية ، حتى أدى بفعل مجهود مفرداته ، إلى أن تحمل مصر لقب هوليود الشرق ، لحسن رعاية الفنون والثقافات داخل أرضها ، وإعطائها مساحات من العمل والاهتمام .
وسيظل التليفزيون المصري يروي للأجيال تاريخ بلادهم ، ويصلنا بالعالم، لنتفاعل مع معطيات العصر ومتغيراته ، ونمضي قُدُمًا في طريق التقدم والارتقاء .